فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 332

إنها دعوة إلى سياحة روحية ، وعقلية ، وجسدية ، في رحاب هذا الوجود ، وفي استجلاء محاسنه ، وملء العين والقلب من روائعه ومفاتنه.

وإنه بحسب المرء أن يصحب معه عقله في هذه السياحة ، فيهتدي إلى الحقّ ، ويلتقي على طريق سواء مع محامل الدعوة الإسلامية ، من عقيدة وشريعة .. فإن العقل بطبيعته ـ إذا خلا من آفات العناد والاستكبار ـ ينشد الحق ، ويهتدي إليه ، لأنه شرارة من نور الحق ، وقبس من أقباسه!.

ذلك ، على حين كان العقل قبل الرسالة الإسلامية بمغزل عن معجزات الرسل ، وبمنقطع عنها ، لأنها لا تستقيم على منطق العقل ، ولا تدخل في مجال التفكير ، إنها أمور خارقة للعادة ، لا تقع إلا على يد رسول مؤيد من عند اللّه ، فيقع بها الإعجاز القاهر ، ويقوم بها التسليم القائم على الدّهش والحيرة ، والعجز.

وذلك الذي صنعته السماء ، في التدرج في الدعوة إلى اللّه ، هو الأسلوب الحكيم في التربية .. فالصغير لا يحتمل عقله أحكام المنطق ، ولا يخضع تفكيره لمعطيات ما بين الأسباب والمسببات من ارتباط .. وإنه لمن الخطأ وسوء التقدير ، بل ومن القسوة عليه ، أن يؤخذ بمنطق العقل ، ويحمل على أحكامه ، على حين أن الذي يصلحه ويصلح له ، هو أن يخاطب بلغة الحسّ ، وبمنطق المادة .. فإذا نما عقله شيئا ، كان من التدبير الحكيم أن يخاطب بأسلوب المنطق العقلي والحسّى معا ، وأن يزاوج له بينهما ، بنسب تكثر فيها العناصر العقلية شيئا فشيئا ، كلما نما عقله ، واتسعت مداركه ، حتى إذا بلغ مبلغ النضج والرشد ، أمكن أن يكون عقله هو موضع الاعتبار في مخاطبته ومحاسبته ..

والإنسانية ـ في تقديرنا ـ بدأت وجودها كما يبدأ كل كائن حي وجوده .. نبتة صغيرة ، ثم شجيرة لا زهر فيها ، ثم شجرة مزهرة .. ثم شجرة مزهرة مثمرة! وشواهد التاريخ تؤيد هذا وتشهد له.

والإنسانية في زمن البعثة المحمدية كانت ـ كما قلنا ـ في آخر مرحلة من مراحل سيرها نحو النضج العقلي ، والكمال الإنساني .. كانت بمثابة طفل درج في مدارج الحياة حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت