فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 332

بلغ مبلغ الرجال .. وكان عليه بعد هذا أن يستوفي حظه من الحياة ، وأن يأخذ مكانه فيها ، غير مستند إلى شيء غير ذاته ..

ودع عنك ما يقال من أن الإنسانية كانت قد ارتكست وردّت على أعقابها زمن البعثة المحمدية ، وأن الشرّ كان قد استشرى بالناس ، وأن الظلام قد أطبق عليهم ، ولفّهم في قطع كثيفة من الجهل والضلال ، وأن معالم الحضارات التي أقامتها الإنسانية في وادي النيل على يد الفراعنة ، وفى بابل وآشور على يد الكنعانيين والآشوريين ، قد ذهبت معالمها ، وضلّت في ظلمات الجهل شواهدها ، ومحيت آياتها .. وأن لمعات العقل اليوناني التي سطعت في العالم القديم قد ذهب الزمن بها ، وعقمت الحياة عن أن تلد سقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو .. مرة أخرى ..

دع عنك كل هذا ، فالدنيا بخير ، والحياة ولود ، لا يصيبها العقم أبدا ، وهي سائرة إلى الأمام ، لا ترجع إلى الوراء بحال .. إنها سنّة التطور والارتقاء .. سنة اللّه في خلقه ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا.

ولا نريد أن نقف طويلا هنا ، ولا أن نضرب الأمثال والشواهد لهذا.

وحسبنا أن نقول إن القرون الطويلة التي عاشتها الإنسانية ، والتي تقدر بعشرات الألوف أو مئاتها من السنين ـ لم تمكّن لها قبل عصرنا هذا من أن تستخدم قوة البخار والكهرباء ، ولم تفتح لها الطريق إلى تحطيم الذرّة ، وإلى بناء المراكب الكونية ، الكوكبية التي تدور في فلك الشمس كما تدور الأقمار حولها .. بل وأكثر من هذا .. فإننا ونحن نكتب هذا الكلام يطلع علينا حدث عجب لم يكن يقع إلا في الأحلام والخيالات ، وهو وصول الإنسان إلى القمر ، ووضع أقدامه عليه ، يمشي فوق أديمه ، ويتنقل بين ربوعه ..!

إن هذه الفتوحات العظيمة التي حققها العقل الإنساني في هذا العصر لهي الشهادة التي لا ترد ، على أن الحياة الإنسانية تتجه دائما نحو الأمام ، وأنها تضيف كل يوم معارف جديدة إلى معارفها السابقة ، وأن رصيدها من المعرفة ، يزداد مع الأيام ، يوما بعد يوم!

فإذا قلنا إن عصر النبوة المحمدية ، كان هو العصر الذي بلغت فيه الإنسانية رشدها ، وتخطت فيه مرحلة الطفولة والصبا ، كان لقولنا هذا مستند من واقع عصرنا هذا الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت