فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 332

يعدّ امتدادا لعصر النبوة .. فإن أربعة عشر قرنا منذ البعثة المحمدية إلى يومنا هذا ، لا تعدّ في عمر الإنسانية إلا يوما من أيام حياتها ، وإلا مرحلة أو بعض مرحلة من مراحل وجودها ..

يتحدث الجاحظ في رسالة « حجج النبوة » عن طبيعة الرسالة المحمدية ، وأنها تتجه إلى مجتمع إنساني يأخذ الأمور بمعيار العقل ، وينظر في أعقابها وما تؤول إليه .. فيقول: « وكذلك وعيد « محمد » صلى الله عليه وسلم بنار الأبد ، كوعيد موسى بنى إسرائيل بإلقاء الهلّاس على زرعهم ، والهمّ على أفئدتهم ، وتسليط الموتان على ماشيتهم وبإخراجهم من ديارهم ، وأن يظفر بهم عدوّهم. « فكان تعجيل العذاب الأدنى ـ أي القريب ـ في استدعائهم واستحالتهم ، وردعهم على ما يريد بهم ، وتعديل طباعهم ـ كتأخير العذاب الشديد على غيرهم .. لأن الشديد المؤخّر ـ من العذاب ـ لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب ، وأصحاب العقول التي تذهب في المذاهب » .. اهـ ..

ويريد الجاحظ أن يقول: إن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت إلى مجتمع عاقل ، مدرك ، ينظر في عواقب الأمور ، كما ينظر العقلاء الراشدون ، وليست كذلك دعوة موسى علي السلام، التي تتعامل مع مجتمع كان في دور الطفولة والصبا ، لا يأخذ من الأمور إلا جانبها الواقعي المعجل!!.

وننتهي من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى ، وهي أن « النبىّ » الذي يجيء إلى الإنسانية في هذا الطور من حياتها ، ينبغي أن يكون أكمل الأنبياء ، لأنه على قمة الإنسانية في طورها الذي بلغت فيه رشدها ، إذ كان النبىّ في كل عصر ، في كل أمة ، هو ممثل الإنسانية في هذا العصر ، وفى تلك الأمة ، وهو خلاصة كل طيب وكريم ونبيل فيها .. وفى هذا يقول النبىّ صلوات اللّه وسلامه عليه « بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِى آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا ، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِى كُنْتُ فِيهِ » [1]

(1) - صحيح البخارى - (3557)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت