وعلى هذا ، فإنه إذا كانت دعوات الأنبياء رحمات وبركات على الناس في أجيالهم وأوطانهم ـ فإن رسالة « محمد » صلوات اللّه وسلامه عليه رحمة عامة ، وبركة شاملة للناس جميعا .. من كل أمة ، ومن كل جنس ، على مدى الأيام والدهور ..
وإنها رسالة لا تخصّ أمة من الأمم ، ولا تنتهى عند زمن الأزمان .. فهى ليست للعرب وحدهم ، وليست لعصر النبوة وحده ، فما العرب إلا لسانها وترجمانها ، وما عصر النبوّة إلا مطلعها ومجلى أنوارها .. « قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ .. إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ .. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .. النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ .. الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ .. وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » (158:الأعراف) .
إن الرسالة الإسلامية ، تدعو الناس جميعا إليها ، ورسولها ينادى الناس كلهم ، بهذه الكلمة العامة الشاملة ، وبهذا النداء المطلق: « يا أَيُّهَا النَّاسُ » .. «يا بَنِي آدَمَ » .. « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ » ..
ولم يتجه بدعوته أبدا إلى العرب وحدهم أو قريش وحدها ، فلم يقل. يا أيها العرب ، أو يا بنى إسماعيل ، أو يا أبناء عدنان وقحطان .. كما كان ذلك شأن أنبياء اللّه في رسلهم وأقوامهم ، ومن أرسلوا إليهم .. فقد كان كلّ نبىّ يدعو قومه خاصة ، ويقصر دعوته عليهم وحدهم .. فيقول « يا قوم » لا يتجاوزها.
. « إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.: قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ » (1 ، 2: نوح) « وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا .. قالَ يا قَوْمِ .. » (84: هود) « وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا .. قالَ يا قَوْمِ .. » (50: هود) « وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا .. قالَ يا قَوْمِ .. » (61: هود) .
« وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ .. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ... » (5: الصف) . « وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ » (6: الصف) وهكذا كان كلّ نبىّ يعمل في محيط قومه ، وفى حدود دائرتهم لا يتعداها ، إذ كانت تعاليم رسالته وأحكامها ، مقيسة عليهم ، ودواء لداء متمكن منهم ، لا يكاد يصلح