لغيرهم .. حتى أن المسيح ـ عليه السلام ـ لم يكن ليقيم معجزة من معجزاته إلا في بنى إسرائيل وحدهم .. وحتى إنه أبى ـ كما تحدث الأناجيل ـ أن يستجيب لتوسلات المرأة الكنعانية في أن يشفى ابنها المجنون ، وردّها قائلا ، « لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل » (إنجيل متى .. الإصحاح الخامس عشر) .. وليس ذلك ضنّا منه ـ عليه السلام ـ بالإحسان ، وإنما لأنه لم يكن يريد بمعجزاته إلا إقامة الحجة على قومه ، لا أن يشفى الأوجاع ، ويبرىء الأمراض ..
هذا عن رسل اللّه ، ومحامل رسالاتهم ..
أما خاتم النبيين .. محمد صلوات اللّه وسلامه عليه .. وأما رسالة الإسلام خاتم الرسالات السماوية .. فللإنسانية كلها ، وللناس جميعا .. أسودهم وأحمرهم على السواء.
كالبحر يهدى للقريب جواهرا منه ويرسل للبعيد سحائبا
إنها رحمة عامة شاملة ، من ربّ الناس إلى الناس .. واللّه سبحانه وتعالى يقول: « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » .. والرسول صلوات اللّه وسلامه عليه يقول: « أنا رحمة مهداة » !!" [1] "
فأما حكمة إنزال هذا الكتاب ، فلكي ينذر به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أهل مكة - أم القرى - وما حولها: «وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» ..وسميت مكة أم القرى ، لأنها تضم بيت اللّه الذي هو أول بيت وضع للناس ليعبدوا اللّه فيه وحده بلا شريك وجعله مثابة أمن للناس وللأحياء جميعا ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض ولم تكن دعوة عامة من قبل وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة ، ليعودوا إلى البيت الذي خرجت منه الدعوة!
وليس المقصود ، كما يتصيد أعداء الإسلام من المستشرقين ، أن تقصر الدعوة على أهل مكة ومن حولها.
فهم يقتطعون هذه الآية من القرآن كله ، ليزعموا أن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - ما كان يقصد في أول الأمر أن يوجه دعوته إلا إلى أهل مكة وبعض المدن حولها. وأنه إنما
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 812)