تحول من هذا المجال الضيق الذي ما كان خياله يطمح في أول الأمر إلى أوسع منه فتوسع في الجزيرة كلها ، ثم همَّ أن يتخطاها .. لمصادفات لم يكن في أول الأمر على علم بها! وذلك بعد هجرته إلى المدينة ، وقيام دولته بها! .. وكذبوا .. ففي القرآن المكي ، وفي أوائل الدعوة ، قال اللّه سبحانه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» ... (الأنبياء: 107) .. «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا» ... (سبأ: 28) ولعل الدعوة يومذاك كانت محصورة في شعاب مكة يحيط بها الكرب والابتلاء! [1]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ وَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لأَهْلِ السَّمَاءِ:"وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ , كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ" [الأنبياء آية 29] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" [الفتح آية 1] الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ" [إبراهيم آية 4] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" [سبأ آية 28] ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ." [2] "
لقد كان اليهود - كما كان النصارى - يقولون: نحن أبناء اللّه وأحباؤه. وكانوا يقولون: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ» . وكانوا يقولون: نحن شعب اللّه المختار .. فجاء القرآن لينفي هذا كله. ويضعهم في موضعهم .. عبادا من العباد .. إن أحسنوا أثيبوا ، وإن أساءوا - ولم يستغفروا ويتوبوا - عذبوا .. وكان ذلك على اللّه يسيرا .. ومن ثم دعوة شاملة إلى الناس كافة - بعد هذه البيانات كلها - أن هذا الرسول إنما جاءهم بالحق من ربهم.
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 1147)
(2) - المعجم الكبير للطبراني - (9 / 438) (11445 ) حسن