والخلاصة - إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة ، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية ، ومن ثم أكد الأمر بهذه الفريضة في آيات هذه السورة بما لم يعرف له نظير في الكتب السابقة.
وقدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان باللّه في الذكر ، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات ، لأنهما سياج الإيمان وحفاظه ، فكان تقديمهما في الذكر موافقا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شىء مقدما عليه.
(وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي ولو آمنوا إيمانا صحيحا يستولى على النفوس ، ويملك أزمة القلوب ، فيكون مصدر الفضائل والأخلاق الحسنة ، كما تؤمنون - لكان ذلك خيرا لهم مما يدّعونه من إيمان لا يزع النفوس عن الشرور ، ولا يبعدها عن الرذائل ، إذ هو لم يؤت ثمرات الإيمان الصحيح الذي يحبه اللّه ورسوله ، ولا كان أثرا من آثاره الأمر بالمعروف ولا النهى عن المنكر.
وبهذا تعلم أن الإيمان المنفي عنهم إيمان خاص له تلك الآثار التي تقدمت ، لا الإيمان الذي يدعيه كل من له دين وكتاب ، كما أنه إنما نفاه عن أكثر أفراد الأمة ، وأنهم هم الذين فسقوا وخرجوا عن حقيقة الدين ، ولم يبق عندهم إلا بعض الرسوم والتقاليد الظاهرة - لا عن جميعها ، إذ لا تخلو أمة ذات دين سماوى من هذا الإيمان ، ومن ثمّ قال:
(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ) أي منهم المؤمنون المخلصون في عقائدهم وأعمالهم كعبد اللّه بن سلام ورهطه من اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى ، وأكثرهم فاسقون عن دينهم متمردون في الكفر.
وما من دين إلا يوجد فيه الغالون والمعتدلون والمفرّطون المائلون إلى الفسوق والعصيان.
ويكثر الاستمساك بالدين في أوائل ظهوره ، كما يكثر الفسق بعد طول الأمد عليه ، كما قال تعالى: « أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » .ولم يحكم الدين على أمة حكما عاما بالفسق والضلال ، بل تارة يعبر بالكثير