يَدَيْهِ يَمِينٌ: الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَمَا وَلُوا . وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْيَدَيْنِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَيَذْكُرُ فِيهَا أَنَّ كِلْتَاهُمَا يَمِينٌ مَعَ تَفْضِيلِ الْيَمِينِ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمَّا كَانَتْ صِفَاتُ الْمَخْلُوقِينَ مُتَضَمِّنَةً لِلنَّقْصِ فَكَانَتْ يَسَارُ أَحَدِهِمْ نَاقِصَةً فِي الْقُوَّةِ نَاقِصَةً فِي الْفِعْلِ بِحَيْثُ تَفْعَلُ بِمَيَاسِرِهَا كُلَّ مَا يُذَمُّ - كَمَا يُبَاشِرُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى النَّجَاسَاتِ وَالْأَقْذَارَ - بَيَّنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ كِلْتَا يَمِينِ الرَّبِّ مُبَارَكَةٌ لَيْسَ فِيهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مَعَ أَنَّ الْيَمِينَ أَفَضْلُهُمَا كَمَا فِي حَدِيثِ آدَمَ قَالَ { اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ } فَإِنَّهُ لَا نَقْصٌ فِي صِفَاتِهِ وَلَا ذَمٌّ فِي أَفْعَالِهِ بَلْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا إمَّا فَضْلٌ وَإِمَّا عَدْلٌ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: { يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ . وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ } فَبَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَالْعَدْلُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَعَ أَنَّ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَالْفَضْلُ أَعْلَى مِنْ الْعَدْلِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَرَحْمَتُهُ أَفْضَلُ مِنْ نِقْمَتِهِ . وَلِهَذَا كَانَ الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَكُونُوا عَنْ يَدِهِ الْأُخْرَى . وَجَعَلَهُمْ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ تَفْضِيلٌ لَهُمْ كَمَا فَضَّلَ فِي الْقُرْآنِ أَهْلَ الْيَمِينِ وَأَهْلَ الْمَيْمَنَةِ عَلَى أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَأَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا عَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ . وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ جَاءَتْ بِأَنَّ أَهْلَ قَبْضَةِ الْيَمِينِ هُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ وَأَهْلَ الْقَبْضَةِ الْأُخْرَى هُمْ أَهْلُ الشَّقَاوَةِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الشَّرَّ لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَائِهِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي مَفْعُولَاتِهِ وَلَمْ يُضِفْ إلَيْهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ وَأَضَافَهُ إلَى السَّبَبِ الْمَخْلُوقِ أَوْ بِحَذْفِ فَاعِلِهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } و { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وَكَأَسْمَائِهِ الْمُقْتَرِنَةِ مِثْلَ الْمُعْطِي الْمَانِعِ الضَّارِّ النَّافِعِ الْمُعِزِّ الْمُذِلِّ الْخَافِضِ الرَّافِعِ وَكَقَوْلِهِ: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وَكَقَوْلِهِ: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } وَكَقَوْلِ الْجِنِّ: { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك