وَثَبَتَتْ لَنَا فِي غَيْرِهِ وَذُكِرَ لَنَا فِيهِ مَا هِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ:"مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إلَّا آتَاهُ اللهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ"فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ:"اللهُ أَكْثَرُ"
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"دَعْوَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لَا تُرَدُّ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَإِمَّا أَنْ يُصْرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِقَدْرِ مَا دَعَا"
فَبَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الِاسْتِجَابَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِمَنْ يَدْعُوهُ مَا هِيَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَا يَدْعُوهُ بِهِ لَيْسَ بِإِثْمٍ وَلَا بِقَطِيعَةِ رَحِمٍ وَأَنَّهَا أَنْ يُعْطِيَ مَنْ دَعَاهُ مَا دَعَا فَيَعْلَمَ ذَلِكَ أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا دَعَا فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَى مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الِاسْتِجَابَةَ مِنَ اللهِ لِمَنْ يَدْعُوهُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ بِهِ يُعْطَاهَا لَا مَحَالَةَ غَيْرَ أَنَّهَا مِمَّا قَدْ نَعْلَمُهُ بِالْمُوَافَقَةِ الْعَطِيَّةُ الْمَدْعُوَّةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهُ أَوْ يُعْطِيهِ مَا سِوَى مَا دَعَا بِهِ مِنْ صَرْفِ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ فَتَكُونُ الِاسْتِجَابَةُ قَدْ كَانَتْ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَإِنَّمَا لَمْ يَعْلَمْهَا، فَخَرَجَ بِمَا ذَكَرْنَا بَيَانُ وَجْهِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ" [1] "
وقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ اللَّهُ أَكْثَرُ إِجَابَةً مِنْ دُعَائِكُمْ وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ فَضْلُ اللَّهِ أَكْثَرُ أَيْ مَا يُعْطِيهِ مِنْ فَضْلِهِ وَسَعَةِ كَرَمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْطِيكُمْ فِي مُقَابَلَةِ دُعَائِكُمْ ، وَقِيلَ اللَّهُ أَغْلَبُ فِي الْكَثْرَةِ فَلَا تُعْجِزُونَهُ فِي الِاسْتِكْثَارِ فَإِنَّ خَزَائِنَهُ لَا تَنْفَدُ وَعَطَايَاهُ لَا تَفْنَى ، وَقِيلَ اللَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَعَطَاءً مِمَّا فِي نُفُوسِكُمْ فَأَكْثِرُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُقَابِلُ أَدْعِيَتَكُمْ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَأَجَلُّ . [2]
إن الدعاء عبادة لله بل هو من أعظم العبادات وأجلها لما فيه من التجاء العبد إلى ربه وتضرعه إليه وارتباطه به، وقد أمر الله عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة، إضافة إلى ذلك
(1) - شرح مشكل الآثار - (2 / 334) ( 877-882)
(2) - تحفة الأحوذي - (8 / 471)