مُنْفَرِدًا دَلَّ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ قِرَاءَتِها عَلَى مَنْ أَحْسَنَهَا مِنْهُم فِي صَلَاتِهِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَفِيضًا شَائِعًا فِيمَا بَيْنَهُمْ تَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ بِالْفَاتِحَة حتَّى أَحَالَهُ الْمُصْطَفَى - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا أَرَادَ أَنْ يَعَلِّمَهُ مِنَ السُّورَةِ عَلَى مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ وَأَجَابَهُ أُبَيُّ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَعَ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ غَيْرِهَا فِيهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ [1]
يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع ، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا ، غير الفرائض والسنن. ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .
إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، وكليات التصور الإسلامي ، وكليات المشاعر والتوجهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها ..
تبدأ السورة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» .. ومع الخلاف حول البسملة: أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة ، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة ، وبها تحتسب آياتها سبعا. وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ» .. وهو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات «مِنَ الْمَثانِي» لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة.
والبدء باسم اللّه هو الأدب الذي أوحى اللّه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في أول ما نزل من القرآن باتفاق ، وهو قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...» .. وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن اللّه «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ» .. فهو - سبحانه - الموجود الحق الذي يستمد منه كلّ موجود وجوده ، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه. فباسمه إذن يكون كل ابتداء. وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه.
(1) - الْقِرَاءَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ لِلْبَيْهَقِيِّ (91 ) صحيح