تزايد في العقدين الأخيرين الحديث عن قضية حقوق الإنسان، وأصبحت من أكثر المفاهيم استخداما في الخطاب السياسي المعاصر، ومن أكثر القضايا إثارة للجدل والنزاع بين المنظمات المدنية المدافعة عن هذه الحقوق، والأنظمة السياسية الراعية لها، وأضحت صيانة هذه الحقوق واحترامها مقياسا لتقدم وتحضر الدول ولسيادة الحق والقانون فيها، واكتسبت أهمية وحساسية بالغتين لدى الرأي العام، وتحولت بذلك إلى وسيلة ضغط من طرف الدول الكبرى على الدول المعارضة لهيمنتها وسياساتها، وكوسيلة لتصفية حسابات سياسية بين القوى المتنازعة.
وأهم ما يلفت النظر إلى هذه القضية هو ارتباط مبادئ حقوق الإنسان والدفاع عنها في عصرنا الراهن بالغرب الذي أصبح مرجعًا للحقوق الإنسانية -بالرغم من عدم تجذر هذا المفهوم في الفكر السياسي الغربي ولا في جذوره اليونانية-، مما أتاح له فرض رؤيته الخاصة لهذه الحقوق المنبثقة عن تصوره الخاص للكون والحياة والإنسان، وإقصاء رؤية وتصور حضارات أخرى.
فمفهوم حقوق الإنسان هو نموذج للمفاهيم ذات الخصوصية الحضارية التي يحاول الغرب فرض عالميتها على الشعوب الأخرى في إطار محاولته فرض هيمنته وتحقيق مصالحه القومية، وقد وُجدت نخب عربية علمانية دفعها واقعُ الاستيلاب الذي تعيشه، وعداءُها لكل ما هو ديني إلى تبني هذه الرؤية متجاهلة الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة التي تؤكد على نسبية المفهوم وحدوده الثقافية وعلى أهمية النظر في رؤية حضارات أخرى للإنسان وحقوقه انطلاقًا من الفلسفة التي تسود هذه الدراسات القائمة على وجود تباين وتعددية في الثقافات وخصوصيات حضارية لكل منطقة، ومتجاهلة أيضا واقع الغرب اليوم الذي يعاني من إفلاس نموذجه الاقتصادي الذي قُدم للبشرية على أنه نهاية تاريخ تطور النماذج الاقتصادية، ومتجاهلة أيضا الواقع الأخلاقي للغرب الذي يمارس أبشع الجرائم في التاريخ في حق شعوب العالم الإسلامي والعربي أو يتواطؤ مع مقترفيها، ولا يرى في حقوق الإنسان سوى وسيلة من بين وسائل أخرى عديدة لتحقيق مصالحه السياسية والاقتصادية.