الْمُصَدِّق إِذَا أَخَذَ الصَّدَقَة أَنْ يَعْمِد إِلَى قَرَنٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالرَّاء وَهُوَ حَبْل فَيُقْرَن بِهِ بَيْن بَعِيرَيْنِ أَيْ يَشُدّهُ فِي أَعْنَاقهمَا لِئَلَّا تَشْرُد الْإِبِل .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَة فَكَانَ يَأْخُذ مَعَ كُلّ فَرِيضَتَيْنِ عِقَالهمَا وَقِرَانهمَا . وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَيْضًا يَأْخُذ مَعَ كُلّ فَرِيضَة عِقَالًا وَاَللَّه أَعْلَم .
قَوْله: ( فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّه تَعَالَى قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْر لِلْقِتَالِ فَعَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) مَعْنَى رَأَيْت: عَلِمْت ، وَأَيْقَنْت . وَمَعْنَى شَرَحَ: فَتَحَ ، وَوَسَّعَ ، وَلَيَّنَ وَمَعْنَاهُ: عَلِمْت بِأَنَّهُ جَازِم بِالْقِتَالِ لِمَا أَلْقَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي قَلْبه مِنْ الطُّمَأْنِينَة لِذَلِكَ ، وَاسْتِصْوَابه ذَلِكَ . وَمَعْنَى قَوْله ( عَرَفْت أَنَّهُ الْحَقّ ) أَيْ بِمَا أَظْهَرَ مِنْ الدَّلِيل ، وَأَقَامَهُ مِنْ الْحُجَّة ، فَعَرَفْت بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقّ لَا أَنَّ عُمَر قَلَّدَ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِد لَا يُقَلِّد الْمُجْتَهِد .
وَقَدْ زَعَمَتْ الرَّافِضَة أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّمَا وَافَقَ أَبَا بَكْر تَقْلِيدًا ، وَبَنَوْهُ عَلَى مَذْهَبهمْ الْفَاسِد فِي وُجُوب عِصْمَة الْأَئِمَّة . وَهَذِهِ جَهَالَة ظَاهِرَة مِنْهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَم . [1]
الْجِهَادُ مَشْرُوعٌ بِالإِْجْمَاعِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ ، وَلِفِعْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمْرِهِ بِهِ [3]
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ [4] .
وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَبْل الْهِجْرَةِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ ؛ لأَِنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - أَوَّل الأَْمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالإِْنْذَارُ ، وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ ، وَالصَّفْحُ وَالإِْعْرَاضُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، وَبَدَأَ الأَْمْرَ بِالدَّعْوَةِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا [5] .
(1) - شرح النووي على مسلم - (1 / 91)
(2) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (16 / 125)
(3) - المغني 8 / 346 ، وكشاف القناع 3 / 32 .
(4) - أخرجه مسلم ( 3 / 1517 - ط الحلبي ) من حديث أبي هريرة .
(5) - القرطبي 1 / 722 ، وعمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير 2 / 46 ، وإمتاع الأسماع للمقريزي 1 / 51 .