وأمَّا المسائل الخلافية التي يعود الخلاف فيها إلى اختلاف التنوع وليس التضاد ، فالصواب أن الجميع مصيب .
أمثلة على اختلاف التنوع:
أولا- كلُّ نصِّ في القرآن أو السنَّة احتمل معنيين فهو من اختلاف التنوع ، لأن المراد به رفع الحرج عن المكلفين:
أمثلة من القرآن الكريم ، كقوله تعالى في القرآن الكريم: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ..} (228) سورة البقرة
فالقروء وردت في اللغة وعن الصحابة أنها تعني ثلاثة أطهار أو ثلاث حيض ، فأي القولين أخذنا به فهو صواب ، وليس فيه خطأ ، وذلك لأن الآية محتملة لهما ، ولم يرد نصٌّ صحيح صريح عن الشارع الحكيم يحدد أي المعنيين مراد [1] .
وكقوله تعالى حول اللمس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43) سورة النساء
فما هو المقصود باللمس هنا ، أهو الجماع أم هو الملاصقة ؟ يعني هل يعني الحقيقة أم المجاز ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ لَمْسِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ . فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ لَمْسَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَةِ الرَّجُل لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَمَسْرُوقٍ [2] .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ وَهُوَ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّجُل الْمَرْأَةَ بِشَهْوَةٍ وَيَنْتَشِرُ لَهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ حَدَثًا اسْتِحْسَانًا ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَكُونَ حَدَثًا وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ ، وَهَل تُشْتَرَطُ مُلاَقَاةُ الْفَرْجَيْنِ
(1) - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 677)
(2) - الفتاوى الهندية 1 / 13 ، والمغني مع الشرح الكبير 1 / 187 .