الصفحة 16 من 41

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذين النوعين من التبديل وذكر الكفر بكليهما فقال رحمه الله:"الشرع المبدّل هو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها، والظلم البيّن فمن قال أن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال، ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك". [1] فكونه نسب هذه الأحكام لنفسه، لم يغير في حكمه شيئا عند ابن تيمية وحصل المقصود. فمن أولى بالجهل والانحراف الفكري يا ولد الددو!

كذلك قال ابن كثير تحت قوله تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} :"أي هم لا يتبعون ما شرع الله لهم من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ماحرّموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة". فهل الحافظ ابن كثير منحرف فكريا يا ولد الددو؟!

ونحن هنا نلزمه بمخالفة الإجماع الذي ذكره ابن كثير وعدم تكفير من جاء بنفس ياسق التتار وحكم به اليوم مع نسبته لصاحبه جنكز خان أو نلزمه بشر من ذلك وهو عدم تكفير من جاء بشرع مكتوب بخط إبليس وحكم به على أنه شرع من إبليس وليس من شرع الله، وهو مقر بأن فعله هذا مخالف لحكم الله وأنه عاص لله في ذلك، فهل يكون هذا عنده مسلما موحدا وتكون طاعته واجبة على قسمته التي ابتدعها؟ بل لو أحل للناس الشرك وعبادة الأوثان ونكاح الأمهات والذكران ولم ينسبه إلى الله، لزمه أيضا عدم كفره وردته! وقائمة مثل هذه الشناعات التي تلزم مذهبهم هذا طويلة. فهل يرعوون أم يلتزمون فيهلكون؟!

قد تبين في الختام أن هذه الصورة في التبديل التي نفى ولد الددو الكفر بها لا تختلف عن الصورة الأخرى بنص الكتاب والسنن وأقوال أهل العلم، بل هي عند التحقيق شر من التي قبلها فالذي ينسب أحكامه إلى شرع الله كذبا، كفره من باب كفر الكذب على الله وهو في -ما يُظهر للناس- متبع منقاد لشرع الله ملتزم بالطاعة، أما الثاني، الذي يرد إلى نفسه فمنازعته للربوية صريحة وتمرده على الله ظاهر وكفره من جنس كفر إبليس وفرعون لاستكباره وإباءه حكم الله ابتداء. وفي هذا النوع من استحلال المحرمات يقول شيخ الإسلام في بعد أن ذكر كفر من ينسب التحليل إلى الله:"وتارة يعلم أن الله حرّمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرا ممن قبله". [2]

(1) مجموع الفتاوى 3/ 354

(2) الصارم المسلول ص 521

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت