أقول: لعله اتفق في هذا مع وزير الداخلية ووزير الجاهلية! ذلك أنه يطلق القول بعدم الكفر بتبديل الشرائع الربانية بأحكام الجاهلية إذا نسبه المبدل لنفسه. وهذا إطلاق ظاهر البطلان حيث يدخل فيه شرائع الشرك الصريح وعبادة الأوثان والأصنام وقد سبق بيان فساد هذا القول مما يغني عن إعادته. فما ذكره هنا فرع فاسد لفساد أصله وهذه الأعذار ليست من موانع الكفر المعتبرة بل هي ذاتها الدوافع هي التي أنكرها الله سبحانه على أحبار اليهود في تبديلهم ما بدلوا من حد الرجم لقوله سبحانه {فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قلِيلا ومن لم يحكم ِبما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فالخوف والمداهنة واستحباب الدنيا على الآخرة هي عين دوافع بني إسرائيل وهو ما اعتذر به ولد الددو لأولياءه! وقد صح عن مسروق عند الطبري وغيره أنه قال: سألت ابن مسعود عن السحت، قال: الرشا، فقلت: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر. وهذا يبطل اتفاقهم المزعوم بل وينسف مذهبهم نسفا وهو مذكور عند الطبري بين الروايات عن ابن عباس في المسألة [1] فما كان ليخفى عليهم. وهذا الأثر مما يكتمه جهمية العصر لأن القواعد والأصول ترجحه لموافقته لظاهر النصوص أو على الأقل فإنها تبطل دلالة ما يرددونه من قول ابن عباس رضي الله عن الجميع. فلم كل هذا التدليس يا قوم؟! ومع من اتفقتم؟!
انتقل بعد ذلك إلى الحديث آية المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وعمومها وخصوصها وذكر أنه أقنع من ناقشهم أن الآية فيها عامان مخصوصان وأن"الشبهة زالت والحمد لله". وهو لم يبين هذا الخصوص ولا الشبهة حوله، والظاهر أنه يقصد تخصيص الآية باليهود ومن فعل فعلهم كما سبق في كلامه، وهذا -والله أعلم- هو الراجح في المسألة خلافا لمن عمم الآية على ارتكاب المعاصي [2] ، لكنه كما بيّنا سابقا أخطأ في توصيف فعل اليهود بقوله أنهم كفروا بنسبة التبديل إلى الله وقد قال ابن كثير في أول تفسيره لهذا الآيات أنها نزلت"في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله"ولم يقل نزلت في من نسب حكمه إلى الله كما قرر ولد الددو. فهي بذلك تشمل طواغيت العصر من وجه الكفر والظلم والفسق لأنهم جاءوا بعين ما جاء به اليهود من تبديل حد الرجم وزادوا عليهم، فلا أدري ما هي الشبهة في هذا؟!
ومن انحرافه في الاستدلال نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحكم بكل ما أنزل الله! وكذلك من كان قبله من الأنبياء ليبين تخصيص الآيات! وهذا من سوء أدبه ورقة دينه، فحاشاه صلى الله أن يطاله عموم هذه الآية أو خصوصها فسياقها في الحكم القضائي والفصل بين النزاعات ودليل ذلك أن الله سبحانه خيره بين الحكم بين اليهود أو الإعراض عنهم. ومعلوم أيضا أن المأمور بالحكم به هو حكم الله المحكم، أما المنسوخ أوالمحرف فلا يدخل في هذا الأمر فليس من الأدب ولا من الفقه أن يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الحكم بغير ما أنزل الله لما ترك الحكم بالتوراة والإنجيل! بل تركه لحكم التوراة والإنجيل هو الحكم بما أنزل الله. وفعل الرجل
(1) وأسانيد الروايات عنه بلفظ"كفر دون كفر"لا تخلو من نظر، وقد ضعف هذا الأثر الشيخ سليمان العلوان فك الله أسره والشيخ الشعيبي رحمه الله وغيرهم وصححوا أثر ابن مسعود.
(2) ومن ذهب إلى هذا القول وجب عليه أن يقيّد ويفرق بين المعاصي المكفرة والمعاصي التي دون الكفر. وقد ضل الخوارج بتعميمهم الكفر الأكبر على جميع المعاصي بنص هذه الآية لهذا جاء رد الصحابة والتابعين لهذا الفهم بقولهم كفر دون كفر، كما ضلت الجهمية بنفيهم الكفر عن جميع المعاصي اعتمادا على هذه الأقوال فأدخلوا في نفيهم الشركيات والكفريات والتي منها التشريع والتحاكم إلى الطواغيت.