بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله القائل في محكم التنزيل {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} فلا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين [1] ، والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المجاهدين وأسوة المتقين القائل:"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته" [2] "ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" [3] .
وبعد،
فلقد ابتليت أمتنا، من جملة ما ابتليت به في هذه الأزمان المتأخرة، بنوع من المشايخ والدعاة يمشون في العلم بالمقلوب! ترى أحدهم يتخصص في علوم الآلة ويبرز في فروض الكفاية حتى تشرئب له الأعناق، ويطمع الواحد أن يلقاه ثم يدخل الجنة، كما قال عبد الله بن المبارك، حتى إذا تحدث في أصول التوحيد والإيمان والكفر، كانت بعرة أحب إليك منه. وكل يوم تمتد قائمة هؤلاء المشايخ وتمتد قائمة مخالفاتهم وجرائم في حق الشريعة، وخوارمهم لأصول الدين وأركان التوحيد. فصرت ترى مثلا إمام الحرم يستنصر لبهائي، والداعية الواعظ عليم اللسان ينزل مبتهجا في ضيافة القذافي، مسيلمة العصر، والقارئ المتقن يستفتح المجالس البرلمانية الشركية بتلاوة من سورة النساء في الأمر بالكفر بالطاغوت! والشيخ الهرم الذي قارب الموت يجيز إعانة الكفار الأصليين للنكاية بالموحدين [4] ، وأغرب من ذلك من يشار إليه بالسبق والإمامة في الدين، يقول:"ما الفائدة من تكفير الحاكم أو غيره" [5] إذا تلبس بكفر صريح، أو أن الحاكم إذا كفر"فإنه من الخطأ إيغار الصدور عليه"، ناقضا بذلك أصول الولاء والبراء التي يعلّمها للناس! ومثل هذا كثير، مما زاد في غربة الدين وغربة أهله وزاد في طموس أكثر شرائعه وغياب حكمه بين الناس.
وقد صح عند ابن ماجه أن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا". زاد الطبراني في روايته:"فإنكم اليوم تعلّمون القرآن قبل الإيمان" [6] . قلت: أما هؤلاء المشايخ، فقد قرأوا القرآن والحديث وهم جاهلون بأحكام الإيمان والإسلام، ولو سألت بعضهم عن معنى الطاغوت وصفة الكفر به وتحقيق ذلك في واقعنا، لنظر إليك نظر المغشي عليه من الموت. لا يفرقون بين أولياء الله وأعداءه، وقد يجرهم جهلهم هذا إلى
(1) من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 7/ 221.
(2) رواه ابن ماجه 9 وصححه ابن حبان 327 وحسنه الألباني في الصحيحة 2442
(3) رواه البيهقي وغيره وفي تصحيحه خلاف.
(4) وقد هلك بعد فتواه بزمن قليل وأخشى أن يكون الله سبحانه قد ختم له بها دون توبة.
(5) "غيره"هذه يدخل فيها أعتى أئمة الكفر! وهؤلاء ينتسبون إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهو منهم بريء.
(6) سنن ابن ماجه (61) والمعجم الكبير للطبراني (1656) . قال في النهاية: حزاورة: هو الذي قارب البلوغ.