قال ابن القيم: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: فاتقوا الله وأجملوا في الطلب بين مصالحِ الدنيا والآخرة ونعيمِها ولذاتِها، إن ما ينالُ بتقوى الله وراحة القلب والبدن وترك الاهتمام والحرص الشديد والتعب والعناء، والكد والشقاء في طلب الدنيا، إنما ينال بالإجمال في الطلب، فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها، فالله المستعان.
قد نادت الدنيا على نفسها لو كان في ذا الخلق من يسمع
كم واثق بالعيش أهلكه وجامعٍ فرقت ما يجمع [1]
وقال ابن القيم: قبُول الْمحل لما يوضع فِيهِ مَشْرُوط بتفريغه من ضدّه وَهَذَا كَمَا أَنه فِي الذوات والأعيان فَكَذَلِك هُوَ فِي الاعتقادات والإرادات فَإِذا كَانَ الْقلب ممتلئا بِالْبَاطِلِ اعتقادا ومحبّة لم يبْق فِيهِ لاعتقاد الْحق ومحبّته مَوضِع كَمَا أَن اللِّسَان إِذا اشْتغل بالتكلم بِمَا لَا ينفع لم يتَمَكَّن صَاحبه من النُّطْق بِمَا يَنْفَعهُ إِلَّا إِذا فزع لِسَانه من النُّطْق بِالْبَاطِلِ وَكَذَلِكَ الْجَوَارِح إِذا اشتغلت بِغَيْر الطَّاعَة لم يُمكن شغلها بِالطَّاعَةِ إِلَّا إِذا فرغها من ضدها فَكَذَلِك الْقلب المشغول بمحبّة غير الله وإرادته والشوق إِلَيْهِ والأنس بِهِ إِلَّا
(1) - الفوائد لابن القيم (ص: 59)