فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 145

إن صورة الداعية لا تجمل ولا تكمل إلا باستغنائه عما في أيدي الناس وما من شيء يذهب أثر الدعوة ويمحو عزة الداعية مثل سؤال الناس أو انتظار عطائهم ، إنه حينئذ لا يكون داعية بل يصبح تاجرًا فاجرًا يتاجر بالدين ، يشابه فعل اليهود ]الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلًا [ آل عمران [77] وبهذا السلوك يكون الداعية ممن يصدون عن دين الله كما بين ذلك الله جل وعلا في قوله ]اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله [ التوبة [9] وذلك من أعظم البلاء ، ولذا (( ينبغي أن يتعفف الداعية عما في أيدي الناس ليظل عزيزًا مرفوع الرأس ، قادرًا على أن يقول ما يريد وأن يبلغ ما يلزم إبلاغه دون أن يحمل منة في عنقه لأحد تجعله مغلول اليد أو مغلول اللسان ، وبقدر ما يستطيع الداعية أن يحقق لنفسه من العفة والورع بقدر ما يكتسب من تقدير وقدرة وإمكانية ) )مع الله (ص:74) .

نعم لا بد أن يميز الدعاة (( زهدهم في زخارف الدنيا ، وفضول العيش ، ونهامة المادة ، ومرض التكاثر ، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا فيمن يخاطبونهم ، ويحملون على إيثار الدين على الدنيا ، والآجلة على العاجلة ، وتلبية نداء الضمير والإيمان على نداء المعدة والنفس والشهوات ) )وذلك لأن (( الناس ما زالوا ولا يزالون مفطورين على الإجلال لشيء لا يجدونه عندهم ... فإذا رأى الناس علماء ودعاة لا يقلون عنهم في حب المادة ، والجري ورائها ، والتنافس في الوظائف والمناصب, والإكثار من الثراء والرخاء ، والتوسع في المطاعم والمشارب ، وخفض العيش ولين الحياة فإنهم لا يرون لهم فضلًا عليهم ، وحقًا في الدعوة إلى الله ، وإيثار الآخرة على الدنيا ، والتمرد على الشهوات ، والتماسك أمام المغريات ، وقد قيل فاقد الشيء لا يعطيه ) )بعض سمات الدعوة المطلوبة في هذا العصر ، ضمن أبحاث وقائع اللقاء الخامس لمنظمة الندوة العالمية لشباب الإسلامي (ص:410) .

هذا هو سمت أهل العلم والإيمان ذكره الله جل وعلا لنا في قصة قارون يوم خرج على قومه في زينته ، فتاقت إلى حاله ودنياه نفوس الضعفاء لأن قلوبهم خواء ، وجاء الجواب حاسمًا من أهل العلم والإيمان لأن في قلوبهم غناء ]ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا وما يلقاها إلا الصابرون [ القصص [80] .

وتكتمل شخصية الداعية ويعظم تأثيره إذا ضم إلى الاستغناء العطاء ، وما الدعوة إلاَّ عطاء دائم يبذل فيه الداعية من مشاعره ومن وقته ومن ماله ومن جاهه ومن وقوته ومن حيلته حتى يبلغ الغاية ببذل نفسه وإعطاء روحه جهادًا في سبيل الله وتضحية من أجل الدعوة إلى الله ]لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران [92] .

التاريخ يشهد أن الدعاة إذا اغتنت قلوبهم بالمعاني الإيمانية واستغنت عن المتع الدنيوية استسهلوا الصعب غير مستثقلين ، وركبوا الأخطار غير عابئين وواجهوا الأخطار غير خائفين ، لا تثنيهم رهبة ، ولا تستميلهم رغبة .

وانظر إلى ربعي بن عامر رضي الله عنه يوم قدم إلى أبهة الملك ، بما فيها من متاع الدنيا وزخرفها ، فوطئ الطنافس بأقدامه ، وخرقها برمحه ، واستغنى واستعلى بإيمانه ، وقال قولته المشهورة التي ما تزال تدوي في سمع الزمان: (( جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ) ).

ويوم أسر عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه ، قال له ملك الروم: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي ؟ فقال: لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين ؟ ، قال: إذًا أقتلك ، قال: أنت وذاك ؟ سير من أعلام النبلاء (2/14) .

إنها المواقف التي رجمها الزبيدي شعرًا عاصفًا رائعًا فقال:

خذوا كل دنياكمُ واتركوا فؤادي حرًا وحيدًا غريبًا

فإني أعظمكم دولة وإن خلتموني طريدًا سليبًا

وصاغها الرافعي الأديب من قاموس الحكمة في كلمات في غاية القوة فقال: (( إذا رمتك المطامع بالحاجة التي لا تقدر عليها ، رميتها من نفسك بالاستغناء الذي تقدر عليه ) )نقلًا من المنطلق )وتكررت بعد جيل الصحابة مرات ومرات جددها أئمة الدعاة من الثقات الأثبات فهذا عيسى بن يونس حدث الأمين والمأمون فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها ، فظن أنه استقلها"أي رآها قليلة"، فأمر له بعشرين ألفًا ، فقال عيسى: لا ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبًا إلى السقف ، فانصرف من عنده )) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/357) .

وفي وقت اشتداد الأزمة إبان فتنة خلق القرآن دعي عفان بن مسلم للمحنة فلما حضر عُرض عليه القول ، فأبى أن يجيب ، فقيل له: يحبس عنك عطاؤك ، وكان يعطي في كل شهر ألف درهم ، فقال:]وفي السماء رزقكم وما توعدون [ الذريات [22] ، فلما رجع إلى داره عزله نساؤه ومن في داره ، قال الرواي: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا (نزهة الفضلاء(2/762) .

وليس الأمر مقتصرًا على الاستغناء عما في أيدي الأمراء بل هو كذلك بالنسبة للتعامل مع المدعوين والتلاميذ فقد وجه بعض مشايخ مرو إلى علي بن حجر بشيء من السكر والأرز وثوب فرد عليهم بقصيدة قال فيها:

جاءني عنك مرسل بكلام فيه بعض الإيحاش والإحشام

فتعجبت ثم قلت تعالى ربنا ذا من الأمور العظام

خاب سعيي لئن شريتُ خلاقي بعد تسعين حجة بحطام

أنا بالصبر واحتمالي لإخواني أرجِّي بحلول دار السلام

والذي سميته يزري بمثلي عند أهل العقول والأحلام

وأهدى أصحاب الحديث الأوزاعي هدية فلما اجتمعوا عنده ، قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم ، وإن شئتم حدثتكم ورددت هديتكم (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع(1/357) .

وجمع الشيخ عاطف أفندي بين الموقفين مع أصحاب السلطان ومع عامة الناس ، فقد (( دعي إلى طعام الإفطار في رمضان مع السلطان وحيد الدين ، وتقدم السلطان بهدية للشيخ تقديرًا له ورجاه أن يقبلها فاعتذر قائلًا: استسمحكم ألا تعودوني على تلقي الإحسان .

وذات يوم أهداه فرَّاش متقاعد ممن يحبونه ويجلونه بعضًا من الحلوى صنعها خصيصًا للشيخ فاعتذر منه وقال له: سامحني لأنني لم أستطع قبول هديتك ، سامحني فإن مهنتي والقضية التي أعمل لها حساسة للدرجة التي لا أستطيع معها تحمل مثقال وطأة المنفعة المادية )) العثمانيون في التاريخ والحضارة (ص:229-230) .

وبقدر أهمية الاستغناء تأتي أهمية العطاء الذي له أثره الأبلغ في النفوس لملامسته لمصالحهم ، وقضائه لحاجاتهم ، وقد كان الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - -كما قال أنس- ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام شيئًا إلا أعطاه ، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين ، فرجع إلى قومه وقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب ما سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قط فقال لا(عبد الباقي) (4/1806) .

وهذا صفوان بن أمية رضي الله عنه يقول: لقد أعطاني النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الناس إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي (الإصابة(2/187) .

وأبو بكر خرج من ماله كله بذلًا في سبيل الله ، ونصرة لدين الله ، وعمر أنفق في هذا السبيل شطر ماله ، وعثمان جهز جيش العسرة وكان رائدًا للمنفقين ، وكذا كان عطاؤهم لدعوتهم ، ومثله عطاؤهم للناس عظيمًا تقوى به الدعوة ، ويُتألف به المدعوين .

وليس العطاء محصورًا في المال ، بل هو أوسع من ذلك إذ يشمل كل عون يقدمه الداعية للمدعوين ، وكل معروف يسديه لهم ، فقد يعطيهم من وقته أو جهده أو فكره بل حتى من بشاشة وجهه وحسن استقباله ، وميدان العطاء بالنسبة للداعية فسيح ، وأثره كبير ، فينبغي أن يكون فيه مسابقًا ومنافسًا ، ومحققًا لما أوصى به الشيخ البنا الداعية بقوله: (( أن تكون عظيم النشاط ، مدربًا على الخدمات العامة ، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس ، فتعود المريض وتساعد المحتاج ، وتحمل الضعيف ، وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة وتبادر دائمًا إلى الخيرات ) )مجموعة رسائل البنا (ص:21) .

والدعاة ينبغي أن يحرصوا على الخدمات العامة ويخصصوا لها من أفرادهم وجهودهم ما يلائمها ، فلا بد أن يكونوا هم العاملين في الهيئات الإغاثية ، ومشاركة في اللجان الخيرية ، والمشاريع الصحية ونحو ذلك ، ليكونوا أكثر صلة بالناس وأشد قربًا منهم ، وليحوزوا من خلال الخدمة والعطاء استجابة المدعوين وتأثرهم ، إضافة إلى أنهم بذلك يبرزون صورة عملية لشمولية وتكامل الإسلام ، ولصدق وخيرية الدعاة .

ولقد أشارت خديجة رضي الله عنها إلى أثر الخدمة العامة والعطاء الدائم عندما نزل الوحي وقال الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: لقد خشيت على نفسي ، فقالت له: (( والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ) )فيا سبحان الله تأمَّل هذه الصور المتنوعة من العطاء وقد تحلى بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل بعثته فكيف إذن كان بعدها ؟ .

المبحث الرابع: الاستمرار والابتكار

إن العمل المنقطع يتبدد أثره ، والعمل المتكرر يورث الملل ، ويفقد الحماس ، ثم إن توقف الداعية وعدم استمراريته في دعوته دليل خلل في فهمه ، أو ضعف في عزمه ، وتكراره وعدم ابتكاره يشير إلى قلة حيلته وضعف بصيرته ، وما هكذا يكون الداعية ، بل الداعية نشاط متدفق ، وتجديد متألق ، عمل لا يكل ، وتفكير لا يمل .

والدعاة لهم في هذا الباب مثل عظيم جدًا في قصة نوح عليه السلام حيث لبث في قومه داعيًا ]ألف سنة إلا خمسين عامًا [ العنكبوت [29] ، وكانت هذه الأعوام الطويلة عملًا دائبًا ، وتنويعًا متكررًا ]قال رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا ، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا ، ثم إني دعوتهم جهارًا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا [ نوح [5-9] ، رغم امتداد الزمن الطويل ، ما توقف عن الدعوة ولا ضعفت همته في تبليغها ، ولا ضعفت بصيرته وحيلته في تنويع أوقاتها وأساليبها ، قال الألوسي في تفسيره: ]رب إني دعوت قومي [ أي إلى الإيمان والطاعة ، ] ليلًا ونهارًا [ أي دائمًا من غير فتور ولا توان ، ثم وصف إعراضهم الشديد، وإصرارهم العنيد ، ثم علق على قوله تعالى: ] ثم إني دعوتهم جهارًا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا [ فقال:أي دعوتهم مرة بعد مرة ، وكرة غبَّ كرة، على وجوه مختلفة وأساليب متفاوتة، وهو تعميم لوجوه الدعوة، بعد تعميم الأوقات، وقوله ] ثم إني دعوتهم جهارًا[ يشعر بمسبوقية الجهر بالسر، وهو الأليق بمن همه الإجابة لأنه أقرب إليها لما فيه من اللطف بالمدعو (تفسير الألوسي(10/89) .

فانظر إلى استمراريته في الدعوة رغم شدة الإعراض والعناد، لم يدفعه ذلك الإعراض إلى التوقف، ولا لممارسة الدعوة بصورة عادية لا روح فيها بل على العكس دفعه الإعراض ليواصل المحاولة مع تنويع الأساليب وابتكار طرق جديدة لتبليغ الدعوة، وتزيده حماسة على (( جعل دعوته مظروفة في زمني الليل والنهار للدلالة على عدم الهوادة في حرصه على إرشادهم وأنه يترصد الوقت الذي يتوسم أنهم فيه أقرب إلى فهم دعوته منهم في غيره من أوقات النشاط وهي أوقات النهار، ومن أوقات الهدوء وراحة البال وهي أوقات الليل ) )التحرير والتنوير (29/194) ، (( وتوخي ما يظنه أو غل إلى قلوبهم من صفات الدعوة، فجهر حيث يكون الجهر أجدى مثل مجامع العامة، وأسرَّ للذين يظنهم متجنبين لوم قومهم عليهم في التصدي لسماع دعوته ) )التحرير والتنوير (29/197) .

ولنا مثل في قصة يوسف عليه السلام لما دخل السجن مظلومًا، حيث انتهز الفرصة ومارس الدعوة .

والاستمرارية خير كما قال عليه الصلاة والسلام (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ ) )قال المناوي: (( أدومها: أي أكثرها ثوابًا، وأكثرها تتابعًا ومواظبة ) )، وذكر منافع ا

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت