المثال الأول: يقول ابن تيمية: (( فمن كانت العبادة توجب له ضررًا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة ، مثل أن يصوم صومًا يضعفه عن الكسب الواجب أو تمنعه عن العقل أو الفهم الواجب أو يمنعه عن الجهاد الواجب ... وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها وأوقعته في مكروهات فإنها مكروهة وقد أنزل الله في ذلك قوله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين[ فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة ، وهذا يسرد الصوم وهذا يجتنب النساء فنهاهم الله عن تحريم الطيبات من أكل اللحم والنساء ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (25/272-273) .
المثال الثاني: يقول ابن باز: (( أما إذا كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو من فعله لأنه ذو شأن في الدولة أو ذو شأن في قبيلته ، فيترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن ويرفق حتى لا يترتب على هجره ما هو شر من منكره وما هو أقبح من عمله والدليل على ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول بمثل ما عامل به الثلاثة وهم: كعب وصاحباه ، بل تلطف به ولم يهجره لأنه رئيس قومه ويخشى من سجنه وهجره فتنة للجماعة في المدينة ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفق به حتى مات على نفاقه نسأل الله العافية ) )مجموع فتاوى ابن باز (4/235) .
المثال الثالث: قال العز بن عبد السلام: (( الكذب سيئة محرمة إلا أن يكون لجلب مصلحة أو دفع مفسدة كالكذب في حالة الإصلاح بين المتخاصمين لأن مصلحة تأليف القلوب أحسن من مفسدة الكذب، وككذب الرجل على زوجته لإصلاحها وحسن عشرتها ، وكالكذب على الأعداء كأن يختبئ عندك رجل مظلوم والظالم يسألك عنه ، حفظ العضو أعظم من مصلحة الصدق الذي لا يضر ولا ينفع فما الظن بالصدق الضار ) )قواعد الأحكام في مصلحة الأنام للعز بن عبد السلام (ص:84) .
ثامنًا مراعاة الأوقات:
والمقصود بمراعاة الوقت تخير الوقت الملائم للدعوة من حيث فراغ المدعوين واستعدادهم للتلقي ، وكذا المراعاة لأوقات المواعظ والدروس ، ومناسبة طول وقتها لأحول الناس ، ويندرج تحت ذلك مراعاة استعداد المدعو وبلوغه المرحلة التي يكون فيها الوقت مناسبًا لتفاعله واستجابته .
وشاهد الضرب الأول ما روي عن ابن مسعود: (( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا ) )أخرجه البخاري ، في كتاب العلم ، باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (الفتح) (1/161) قال ابن حجر معلقًا:ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح خشية الإملال ، وإن كانت المواظبة مطلوبة ولكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلف ، وإما يومًا بعد يوم ، فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط ، وإما يومًا في الجمعة ، ويتخلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط (فتح الباري(1/163) ، وعن ابن عباس مثال آخر أشمل وأظهر إذ روي عنه أنه قال: حدث الناس كل جمعة مرة ، فإن أبيت فمرتين ، فإن أكثرت فثلاث مرات ولا تملَّ الناس هذا القرآن ، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم ، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه (شرح السنة(1/314) .
وأما الضرب الثاني فيشهد له قول ابن مسعود: (( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم وأقبلت عليك قلوبهم فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم ) )، فسئل عن علامة انصراف القلوب فقال: (( إذا التفت بعضهم إلى بعض ، ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم ) )شرح السنة (1/313) ، ويضاف إليه ما روي عن عائشة أنها قالت لقاص أهل مكة عبيد بن عمير: ألم أحدَّث أنك تجلس ويُجلس إليك ؟ قال: بلى يا أم المؤمنين ، قالت: فإياك وإملال الناس وتقنيطهم (شرح السنة(1/314) وإملال الناس يكون بإطالة الحديث في كثير من الأحوال .
وأما الضرب الثالث فمثاله ما رواه البخاري (( عن حكم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع ، اليد العليا
خير من اليد السفلى )) أخرجه البخاري ، في كتاب الزكاة ،باب الاستعفاف عن المسألة (الفتح) (3/393) ، قال ابن حجر (( وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء في حاجته لتقع موعظته له الموقع ) )فتح الباري (3/ 395) .
وهكذا نرى أمر المراعاة متشعبًا ومهمًا ، والحقيقة أن المراعاة ضرب من التدرج لأن المراعاة كثيرًا ما تقتضي ترك أمر لعدم ملائمته إما للطبع أو الفهم أو الحال أو غير ذلك والاستعاضة عنه بغيره حتى يكون ممهدًا لعرض الأمر المتروك فيأتي في وقته المناسب فمثلًا (( إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قلبه ما يكون مؤذنًا به كالدليل عليه ، والمقدمة بين يديه ، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة عيسى عليه السلام وولادته من غير أب ، فإن النفوس لما أنست لولد من بين شخصين كبيرين لا يولد لهما عادة ، سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب ) )إعلام الموقعين (4/163) .
وهذه أمثلة رويت عن عمر بن عبد العزيز في مراعاته لأحوال الأمة فيما سبقه من الزمن وحرصه على التدرج في الإصلاح .
1.حكي (( أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قال يومًا لأبيه عمر: مالك لا تُنفذ الأمور ؟! فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق !! قال عمر: لا تَعجَل يا بني ، فإن الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة ، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة ، ويكون من ذا فتنة ) )الموفقات (2/93-94) .
2.قال له ابنه ذات يوم (( يا أبت: ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل ؟ فو الله ما كنت أبالي لو غَلت بي وبك القدور في ذلك .
قال: يا بني ، إنِّي إنما أروِّض الناس رياضة الصعب ، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا فينفروا من هذا ، ويسكنوا لهذا ))
3.روي أن ابنه دخل عليه فقال يا أمي المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدًا ، إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها ، أو سنة فلم تُحيها ؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا يا بني ، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عُقدة عقدة ، وعروة وعروة ، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقًا يكثر فيه الدماء ، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا هو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة ؟ تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص:240) وغني عن التنبيه أن التدرج يمكن أن يكون تهاونًا وتفريطًا وأن المراعاة لا يصح أن تكون مداهنة ونفاقًا .
المبحث الثاني: الجرأة والحكمة:
(( الجرأة في الحق قوة نفسية رائعة يستمدها المؤمن من الداعية من الإيمان بالله الواحد الأحد الذي يعتقده ، ومن الحق الذي يعتنقه ، ومن الخلود السرمدي الذي يوقن به ، ومن القدر الذي يستسلم إليه ، ومن المسئولية التي يستشعر بها ، ومن التربية الإسلامية التي نشَّئ عليها .
وعلى قدر نصيب المؤمن من الإيمان بالله الذي لا يُغلب ، وبالحق الذي لا يُخذل ، وبالقدر الذي لا يتحول وبالمسئولية التي لا تكلّ ، وبالتربية التكوينية التي لا تمل ، وبقدر هذا كله يكون نصيبه من الجرأة والشجاعة وإعلان كلمة الحق التي لا تخشى في الله لومة لائم )) صفات الداعية النفسية (ص:23) .
والجرأة للداعية أمر مهم في زيادته وقيادته ، وفي تأثيره ومنفعته ، لأن الناس يتأثرون بالجريء المقدام ، لأنهم في الملمات يحجمون وتتقدم بالداعية جرأته في الحق مصحوبة بحكمته في التصرف فإذا هو المقدم الذي تشخص إليه الأبصار ، ويتعلق به القلوب .
فالجرأة سمه تقدم للداعية تنبئ عن قوة في القلب ، وعزيمة في النفس ، وصدق في المواقف ، وشموخ بالمنهج ، فعندما تنخلع القلوب هلعًا يبقى الداعية الجريء ساكن القلب رابط الجأش ، وعندما تخرس الألسن خوفًا تَنطق الجرأة على لسانه فيجهر بالحق لئلا تنطمس معالمه ، وعندما تحار العقول من هول المفاجآت أو صدمة الكوارث تعمل الجرأة عملها فإذا العقل حاضر ، والتفكير صادر ، ونحن في أعصر رق فيها الدين ، وكثر التساهل في الأوامر والنواهي ، وترخص كثيرون في الرضى بالمنكرات ، واستحيا آخرون من إظهار العمل بالصالحات ، حتى غدا المنكر معروفًا والمعروف منكرًا في كثير من الأحوال ، وتدور دورة الحياة بمشاغلها ، وتبهر العقول بمفاتنها ، وتخطف الأبصار ببهارجها ، فتستقر الأوضاع الخاطئة وتستمر المنكرات الظاهرة وما ذلك إلا لقلة أهل الجرأة والشجاعة الذين يتقدمون لرفع راية الحق فيلتف حولهم آخرون ويكونون بؤرة تجمع ترفض الذوبان ، وتستعصي على التهجين ، إن لهذه الجرأة والشجاعة زاد من اليقين بـ (( أن حق الله لا بد أن يسود ، وأن هداه لا بد أن يعلو ، وأن نهجه لا بد أن تتضح معالمه وترسو دعائمه ، وأن المنتسبين إليه ما ينبغي أن تخفت أصواتهم ، ولا أن يغلبوا على تعاليمهم ) )مع الله (ص:210) .
والحق أن (( الأمة جمعاء مكلفة أن تكون شجاعة في حماية الدين ، ورد العادين على حدوده من المجَّان والفجار ) )مع الله (ص:210) وهذا هو وصف الصفوة المختارة لحمل الرسالة في كل عصر يتلفت فيه الناس من المسئولية ، ويتخلون عن التبعية ] يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم [ المائدة [54] ، وعلى هذا بايع النفر الأوائل من الأنصار في بيعة العقبة كما قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان ، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ( أخرجه البخاري في كتاب الفتن ، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - سترون بعدي أمورًا تنكرونها(الفتح) (13/7) ، ولهذا أيضًا كان (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) )أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي (4244) (4/514) وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن ، باب ما جاء في أفضل الجهاد (شاكر) (4/471) .
وليست الجرأة تهورًا كما أن الحكمة ليست جنبًا ، والمزج بينهما هو المطلوب الذي ينبغي اتصاف الداعية به في معاملته للآخرين وفي المواقف العصيبة ، وعدم وجود الجرأة والشجاعة يستلزم وجود ضدهما وهو الجبن والذلَّة اللذان لا يليقان بالداعية بحال لأنه (( إذا لم يكن الداعية المسلم شجاعًا مطيقًا لأعباء الرسالة ، سريعًا إلى تلبية ندائها ، جريئًا على المبطلين ، مغوارًا في ساحاتهم فخير له أن ينسحب من هذا المجال وألاَّ يفضح الإسلام بتكلف ما لا يحسن من شئونه ) )مع الله (ص:211) .
والجرأة تنبعث من اجتماع خلقين عظيمتين:-
أولهما: امتلاك الإنسان لنفسه وانطلاقه من قيود الرهبة والرغبة ، وارتضاؤه لونًا من الحياة بعيدًا عن ذل الطمع وشهوة التنعم .
وثانيهما: إيثار ما عند الله والاعتزاز بالعمل له ، وترجيح جنابه على جبروت الجبارين ، وعلى أعطيات المغدقين ( مع الله(ص: 215-217) .
ولقد كان الرسول القائد - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت ، فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: (( لم تراعوا ، لم تراعوا ) )، وهو على فرس لأبي طلحة عُري ما عليه سرج في عنقه سيف )) أخرجه البخاري في كتاب الأدب ، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (الفتح) (10/455) ، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب في شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - (النووي) (15/67) وقد ترجم البخاري لهذا الحديث في بعض الأبواب فقال باب مبادرة الإمام عند الفزع (6/122) وقال النووي: فيه بيان شجاعته - صلى الله عليه وسلم - من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس (15 /68) .
وهكذا كان عليه الصلاة والسلام في سائر الغزوات ففي يوم بدر يقول علي رضي الله عنه: (( لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا ) )أخرجه الحاكم في المستدرك (2/143) وصححه ووافقه الذهبي .
ويوم أحد انكشف المسلمون واضطربت صفوفهم فكان - صلى الله عليه وسلم - هو الثابت حتى اجتمعت حوله كوكبة الفداء الإيمانية .
ويوم حنين كان يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وثبت حتى فاء الناس إليه وجاهدوا معه فكان النصر .
وفي غير المعارك كانت الجرأة في الحق سمة بارزة في حياته - صلى الله عليه وسلم - بل كانت حياته عمليًا في تلقين الجرأة لتأخذ مسارها متجاوزة حواجز الحياء والمجاملة ، كما تجاوزت حواجز الخوف والجبن ، فها هي عائشة تقصُّ علينا خبر المرأة المخزومية التي سرقت في غزوة الفتح فأهم قريش أمرها ، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما كلمه تلون وجهه عليه الصلاة والسلام وقال: أتشفع في حد من حدود الله ، فعرف أسامة الغضب في وجهه ، وأدرك خطأ فعله فقال: استغفر لي يا رسول الله ، ثم قام فخطب الناس فكان مما قال: (( إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) )أخرجه البخاري في كتاب الحدود ، باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (الفتح) (12/87) وقال ابن حجر في الفتح (12/96) وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على من وجب عليه ولو كان ولدًا أو قريبًا أو كبير القدر ، والشديد في ذلك والإنكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه .
وأرى أن من المناسب أن نمضي في جولة نقف خلالها على مواقف جرأة وقعت من بعض أعيان الأمة وعلمائها ودعاتها ، لنرى آثار تلك المواقف ومنافعها ، وأهميتها في نجاح الداعية المقدام الجريء ، وهذه أمثلة من عصور مختلفة وفي ظروف متباينة:-
1.كانت المصيبة عظيمة ، والرزية فادحة ، بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصيب الصحابة الذين تعلقت قلوبهم به محبة ، وارتبطت حياتهم به قدوة بخطب جلل طاشت منه العقول ، وانخلعت القلوب ، واضطربت النفوس ، حتى أنكر الأشداء من أمثال عمر بن الخطاب موته عليه الصلاة والسلام ، ثم جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقرب المقربين ، وأحب الأحباء ، رفيق الغار والهجرة ، وسابق الإيمان والصحبة ، فكانت المصيبة عليه أعظم لكنها لم تنل حظها الوافر من قوة إيمانه ورباطة جأشه ، وفي ذلك الظرف العصيب ، والحيرة تشغل العقول ، والحزن يعتصر القلوب ، قام أبو بكر في جرأة نادرة وصاح بالناس: (( من كان يعبد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) )، ثم تلا قوله تعالى: ]إنك ميت وإنهم ميتون [ وقوله جل وعلا ] وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين[ ، (( فثاب الناس إلى رشدهم ، وعلموا حقيقة أمرهم ) )البداية والنهاية (5/241) .
2.جاء أشراف بني أمية عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة رجاء أن ينالوا منه الحظوة ، ويحصلوا على الولايات والأعطيات فقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم جندًا من هذه الأجناد ، فقال له رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله ؟ قال: ترون بساطي هذا ؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى ، وأني أكره أن تدنسوه علي بأرجلكم فكيف أوليكم ديني ؟ وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم ؟ هيهات هيهات ، فقالوا: لم ؟ أما لنا قرابة ؟ أما لنا حق ؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء ، إلا رجل حبسته عني طول الشقة ( نزهة الفضلاء(1/477-478) .
3.الإمام عبد العزيز بن يحي الكتاني المكي الذي عايش فتنة خلق القرآن وسمع بانتشارها ورواجها في بغداد فعز عليه ذلك فقدم على بغداد فهاله أنَّ ما رأى من أثر هذه البدعة أعظم مما سمع ، فجعل يفكر في عمل يعلن من خلاله عن الحق الذي خفت صوته ، وخاف الناس من إظهار اعتناقه ، قال: فأجمعت رأيي على إظهار نفسي وإشهار قولي ومذهبي على رؤوس الأشهاد والقول بمخالفة أهل الكفر والضلال والرد عليهم ، وذكر كفرهم وضلالتهم ، وأن يكون ذلك في المسجد الجامع في يوم الجمعة لأني رأيت - إن فعلت ذلك - أنهم لا يعجلون عليَّ بقتل ولا عقوبة بعد إشهار نفسي والنداء بالمخالفة على رؤوس الخلائق إلا بعد مناظرتي وسماع قولي ، وهذا هو مطلبي .
وصلى يوم الجمعة في الصف الأول أمام المنبر فلما سلم الإمام ، نهض قائمًا على رجليه ليراه الناس ويسمعوا كلامه ، ونادى بأعلى صوته مخاطبًا ابنه الذي اتفق معه أن يقف أمامه بين الصفوف ، فقال: يا بني ما تقول في القرآن ؟ قال: كلام الله منزل غير مخلوق ، فلما سمع الناس ذلك ولو هاربين ومن المسجد خارجين خوفًا وجبنًا ، ولم يلبث أعوان السلطان أن أمسكوا به ، ولما مَثَل بين يدي كبير من كبرائهم فعنفه فسأله عن سبب صنيعه وجهره بقوله مع علمه بمخالفته لأمير المؤمنين قال: ما أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه ، وتم له ما أراد فناظر بشرًا المريسي بين يدي المأمون وعلاه بالحجة ( مختصر من الدلائل النورانية(110-117) وهو عن الحيدة (3-14) ، فسر المسلمون بذلك وجعل الناس يجيئونه أفواجًا يهنئنونه ويسألونه عن المناظرة .
4.قام مصطفى كمال أتاتورك بأعظم جريمة ضد العالم الإسلامي عندما أصدر في 15 فبراير عام 1924م ثلاثة قرارات هي:
1.إلغاء الخلافة .
2.إلغاء وزارة الأوقاف والأمور الشرعية .
3.توحيد التعليم .
وقرر في الواقع العملي المنهج العلماني في فصل الدين عن الدولة ،ونادى بأن تركيا جزء من العالم الغربي ،ومضى يغير كل شيء له صلة بالإسلام في تركيا ،حتى أصدر في عام 1925م قانون الملابس الذي ينص على إبدال القبعة بالطربوش ،ويقرر عقوبة على من يلبس الطربوش الذي كان اللبس الشائع بين المسلمين ويلزم بلبس القبعة تأسيًا بالغربيين وتشبهًا بهم ،وتعظيمًا لهم .
وهنا برزت نماذج عديدة من جرأة العلماء العاملين والدعاة المصلحين ومن بينهم الشيخ عاطف أفندي الإسكيليبي الذي تصدى لهذه الهجمة التغريبية ،حتى ذكر في بعض كتبه (( أن بيعة المسلمين للخليفة أمر واجب وهو ثابت بالعقل والشرع ) )ثم دلل على ذلك وقرر أن (( وجب تعيين الخليفة أمر ثابت بإجماع الأمة بطريق الأدلة الشرعية ) )، ثم كتب رسالة عن المرأة المسلمة وحجابها بعنوان (( التستر الشرعي ) )وذلك في مواجهة التهتك العلماني الغربي ، ثم ألف رسالته الشهيرة (( تقليد الفرنجة والقبعة ) )نعى فيها على المقلدين للغرب تقليدًا أعمى ، والمتشبهين بالكفار وحكمهم وذكر القبعة مثالًا على ذلك وكان لهذه المواقف والرسائل أثرها الكبير في نفوس المسلمين ومواقفهم وصداها الواسع في منتدياتهم ومجالسهم ، مما حدا بأتاتورك وزمرته أن يقبضوا على شيخ عاطف ، وقدم بعد ذلك للمحكمة بخصوص رسالة القبعة في 26/يناير/1926م ، وصدر بحقه حكم الإعدام ونفذ فيه رحمة الله وتقبله في الشهداء (العثمانيون في الحضارة والتاريخ(ص:221-236) .
وهكذا فنحن نرى لمواقف الجرأة أثرًا عظيمًا في المجتمعات وخاصة في الأزمات ، والملمات وما لم يكن الداعية هو المتقدم الباذل فمن يكون ؟ .
كلا ليس لها إلا أنت أيها الداعية ، فما أجدى أن يكون الداعية (( صلب العود ، عظيم المراس ، لا يميل مع كل ريح ، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة ، ولا ينحني مع أي خلة ، ولا يندهش أمام أي مفاجأة ، أو يحزن عند أي مصيبة لتوجهه إلى الله بكليته ، واعتماده عليه في كل نائبة ، واحتباسه العوض منه عن كل شيء ،فحبيبه الأوحد هو الله ، وهو ذخيرته وملجؤه وهو هدفه وغايته ، وبذلك تكون شجاعته كاملة ، وبطولته خالدة ، وأخلاقه فاضلة ، وصبره معينًا لا ينفذ ) )العثمانيون في الحضارة والتاريخ (ص:221-236) .
المبحث الثالث: الاستغناء والعطاء:
شعار عظيم رفعه على طريق الدعوة الرسل والأنبياء عندما تكرر في خطابهم لأقوامهم ] وما أسألكم عليه من أجرٍ إن أجري إلا على رب العالمين [ الشعراء [109] ، والرجل المؤمن في سورة يس عندما دعا قومه لاتباع المرسلين علل لهم ذلك بقوله ]اتبعوا من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون [ يس [21] ، والدعاة سائرون على منهج الأنبياء فلا ينتظرون من أحد عطاء ، ولا يرقبون من إنسان مكرمة ، وأنى يكون ذلك ؟ وكيف يفكرون في مثل هذا الأجر الدنيء والعرض الزائل ؟ كلا إنهم لا تنشغل عقولهم بمثل هذا التفكير لأنها مشغولة بالرجاء في قوله تعالى ]ولأجرة الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون [ يوسف [57] ، ولا تتعلق قلوبهم بشيء من حطام الدنيا وعطايا الناس لأنها متعلقة بقوله تعالى ]ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [ النحل [41] إنهم يرغبون في نوع آخر من الأجر غير ممنون ولا مقطوع ]إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون [ الانشقاق [25] ،]وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [ هود [108] .