فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 145

والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لا يقسو لأن (( القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى ) )خلق المسلم (ص: 207) ، ومن أعظم مواقف العفو عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المشركين يوم فتح مكة . الرحيق المختوم (ص:480، 481) .

وهكذا فإن رحابة الصدر وسماحة النفس تنتظم الرحمة التي تدعو إلى الحلم الذي يقود إلى العفو فيكون من وراء ذلك التأثير التلقائي لأن الإنسان يتأثر بالإحسان:]ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ فصلت [34] .

وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع (( أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له ، وثقة الناس به ، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب ، والتغاضي عن السيئات والنقائص ، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقًا لينًا ، سمحًا هينًا ، يسر بالنصحية ، ولا يريد الفضيحة ، يسد الثغرات ولا ينشر الزلات والعثرات ) )الأخلاق الإسلامية (2/443) .

وبعض الدعاة ممن لا يتحلون في أنفسهم بهذه السمة تجدهم يندفعون مع أدنى خطأ أو أقل عثرة ، وإذا بهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور ، وكثيرًا ما يواجهون الناس بالأحكام الدامغة الخطيرة من الفسق أو الابتداع أو التساهل ونحو ذلك ، وهؤلاء كثيرًا ما يستزلهم الشيطان بهذه الحمية الزائفة التي لا تأتي في موضعها الصحيح ، والشيطان ينفخ في حميتهم بأن الحق أحق أن يتبع ، ويثير التساؤل أين الغيرة الإيمانية والحمية الإسلامية ؟ ليغطي على الأناة التي تنظر في عواقب الأمور والحلم الذي يضبط النفوس والرحمة التي تستميل القلوب ، بعض هؤلاء - وللأسف - يندفعون أحيانًا خوفًا من أن يُتهموا بعدم الغيرة أو التميع والتساهل ، ولا يفهم من قولي أن كل فاعل لذلك مذموم ، ولا أن كل موقف يقتضي الحلم واللين فقد أشرت فيما سبق إلى ما ينقص هذا الفهم ولكني أنوه إلى صور في الواقع ناشئة من أفهام قاصرة وممارسات خاطئة .

الفصل الرابع: مقومات النجاح في ممارسة الدعوة:

في الفصل الماضي كان الحديث عن المقومات اللازم توفرها في شخصية الداعية وتكوينه الذاتي ، وهذا الفصل يركز على المقومات التي يحتاجها الداعية - وقد استكمل المقومات السابقة - أثناء ممارسته للدعوة وفي المواقف التي يمر بها .

المبحث الأول: المراعاة والتدرج:

إن تغيير النفوس ونقلها من ميولها ومألوفاتها أمر ليس سهلًا ، وإن الأعراف التي استقرت في العقول وتواطأ الناس عليها لا تتغير بأمر يصدر أو دعوة توجَّه ، والعادات في السلوكيات التي تجذرت وترسخت لا يتصور اقتلاعها في يوم وليلة ولذا فلا بد من إدراك حقيقة مهمة للدعاة وهي أن المراعاة والتدرج لازمان للتغيير وحصول الاستجابة ، وكما قيل: (( إذا أردت أن تطالع فأمر بما يستطاع ) )، وهناك أمور كثيرة يلزم مراعاتها والأخذ بالتدرج فيها وهذه خلاصة نافعة في هذا الباب:-

أولًا: مراعاة الطبائع

إن الناس يختلف بعضهم عن بعض ، في علمهم وفهمهم وطبائعهم الشخصية وعوائدهم الاجتماعية ، وكل ذلك يحتاج الداعية إلى مراعاته ، وبالنسبة لطبائع الأشخاص فإن المدعوين على ثلاثة أنواع:

1.فمنهم الراغب في الخير ولكنه غافل قليل البصيرة فيحتاج على دعوته بالحكمة .

2.ومنهم المعرض عن الحق المشتغل بغيره فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب التنبيه على ما في التمسك بالحق من المصالح العاجلة والآجلة ، وعلى ما في خلافه من الشقاء والفساد .

3.الطبقة الثالثة من الناس من له شبهة قد حالت بينه وبين فهم الحق والانقياد له فهذا يحتاج إلى مناقشة وجدال بالتي هي أحسن حتى يفهم الحق وتنزاح عنه الشبهة (مجموع فتاوى ابن باز(2/241-243)

ومن الناس من طبعه الحدة وسرعة الانفعال ، ومنهم من يميل إلى السكينة وطول البال وكل له مدخل وأسلوب يناسبه ومراعاة ذلك مهمة في نجاح الداعية .

ثانيًا: مراعاة الأفهام:

تفاوت الأفهام أمر معروف، وله أسبابه من قلة العلم أو اختلاف البيئة، أو استحكام العوائد ونحو ذلك .

قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى ]فذكر إن نفعت الذكرى[: أي (( ذكر حيث تنفع التذكرة ، ومن هنا الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله ) )تفسير ابن كثير (4/500) ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( يا عائشة لو لا أن قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين ، باب يدخل الناس وباب يخرجون ) )أخرجه البخاري ، في كتاب العلم ، باب ترك بعض الأخبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس (الفتح) (1/223) ، قال ابن حجر في الفتح: (( ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة ، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه ، وأنّ الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرّمًا ) )الفتح لابن حجر (1/225) .

وروى الإمام البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألاَّ يفهموا ، عن علي بن أبي طالب قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله ؟ صحيح البخاري ، كتاب العلم . وروى مسلم ابن مسعود: (( ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) )أخرجه مسلم في المقدمة ، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (1/11) .

قال ابن حجر: (( ممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي في ظاهرها الخروج على السُّلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرائب .

وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة ، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب والله أعلم )) فتح الباري (1/225) .

ولذا ينبغي للداعية مراعاة ذلك وعدم مخالفته سيما بالنسبة للعوام ، ومن تقصر بهم الأفهام ، وقد عدَّ الشاطبي في الاعتصام هذا التجاوز ضربًا من الابتداع فقال: (( ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه ، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، وسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها- وهو الغالب- وهي فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق ، والعمل بالباطل ، وإما لا يفهم منها شيئًا وهو أسلم ) )الاعتصام (2/13) .

وأوضح ذلك أيضًا في موافقاته ومثل له بأمثلة من إنكار الصحابة لذلك فقال: (( ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات ، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيمة ، ولذلك أنكرت عائشة على من قالت: لم تقضي الحائض الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ وقالت لها: أحرورية أنت ؟ ، وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغًا لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل وربما أوقع خيالًا وفتنة وإن كان صحيحًا ) )الموفقات (4/191) .

وهذه كلمات للشاطبي أضعها أمام عين كل داعية وأهتف بها في سمعه ليعلم أنه (( ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره إن كان من علم الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام ، بل ذلك ينقسم: فمنه ما هو مطلوب النشر ، وهو غالب علم الشريعة ، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق ، أولا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص ) )الموفقات (4/189) .

وأزيد الأمر وضوحًا بذكر القاعدة الضابطة الرائعة التي ذكرها الشاطبي وأرشد إليها مخاطبًا كل عالم وداعية حيث أوصاه أن يعرض مسألته على الشريعة فقال: (( فإن صحت في ميزانها فانظر في ماَلها بالنسبة إلى حال الزمن وأهله ، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة ، فاعرضها في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تتقبلها العقول على العموم ، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على المصلحة الشرعية والعقلية ) )الموفقات (4/191) .

ثالثًا: مراعاة المقاصد والنيات:

قد يتفق اثنان في عمل ما ومع ذلك يختلف الحكم عليهما باختلاف النوايا ، فهناك من يفعل الفعل ناسيًا ، أو جاهلًا بحرمته ، أو متأولًا فيه ، أو مكرها عليه ولكلٍ حكمه ومنهم من يفعل الإثم قاصدًا عالمًا بالحرمة لكنه مغلوب بضعف عزمه ، ووسوسة شيطانه فلا يلبث أن يندم ويتوب ويستغفر ، ومنهم قاصد مصرّ ، وآخر محادٌّ الله ورسوله وهكذا ، ونحن نعلم أن النوايا مخفية في طوايا القلوب ، ولكن بعض القرائن والأحوال تدل عليها ، وقد تصرح بها الألسنه فتعرف بوضوح .

وفي المسائل الفقهية ما يوضح هذا المعنى سيما في أحكام الطلاق والأيمان والنذور إذ يسأل أصحابها عن مقاصدهم وما نووا بكلامهم ، ويعول في الحكم على نواياهم ويوكل أصحابها في صدقهم إلى تدينهم لله ، وما يعرف عنهم من قرآئن وأحوال ولنا الظواهر . ومراعاة مثل هذا من الأمور التي لا ينبغي إهمالها كما قال ابن القيم: (( إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة ، وتنسب إليها ما هي بريئة منه ) ). ومن أبز الأمثلة على اعتبار النيات حديث التائب الذي قال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )أخطأ من شدة الفرح (أخرجه مسلم ، في كتاب التوبة ، باب في الحض على التوبة والفرح بها(عبد الباقي) (4/2103) فلم يؤاخذ بذلك ، ومثله حديث مسلم في قصة الرجل الذي أوصى أن يحرق ويذرّ رماده في البر والبحر خشية من عذاب الله ، فغفر الله له لهذا المقصد الذي استولى على قلبه (أخرجه مسلم ، في كتاب التوبة ، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه(عبد الباقي) (4/2109) .

رابعًا: مراعاة الأحوال الخاصة:

سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - الوصية والنصيحة من بعض أصحابه فقال لأحدهم: (( لا تغضب ) )أخرجه البخاري ، في كتاب الأدب ، باب الحذر من الغضب (الفتح) (10/535) ، وقال لآخر: (( قل آمنت بالله ثم استقم ) )أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام (عبد الباقي) (1/65) ،وقال للثالث: (( لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله ) )أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب ما جاء في فضل الذكر (شاكر) (5/427) وما ذلك الاختلاف في الجواب إلا مراعاة منه - صلى الله عليه وسلم - للأحوال الخاصة بالسائلين إذ كان يعلم حاجة كل واحد منهم والجانب القاصر عنده ، والأمر اللائق به ، فأوصى كل واحد بما يناسبه .

وجاء شاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال: يا رسول الله (( أقبل وأنا صائم ؟ قال: لا ، فجاء شيخ فقال: أقبّل وأنا صائم ؟ فقال: نعم ، فنظر الصحابة بعضهم إلى بعض(أي متعجبين من اختلاف الفتوى) فقال - صلى الله عليه وسلم -: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه ))مسند الإمام أحمد (2/185) ، وهذا واضح الدلالة في التفريق بين حال الشيخ وحال الشاب ومراعاة ذلك في الفتوى والمعاملة والتوجيه .

خامسًا: مراعاة الأعراف والعوائد العامة:

إن كل بلد لها أعرافها وكل بيئة لها عوائدها ، ومراعاة ذلك بالضوابط الشرعية ، من ضروب الحكمة وموافقة جوهر الشريعة ، وقد امتن الله على البشر بإرسال الرسل وخص بالمنة كون الرسل من البشر وامتن على الأقوام بأن جعل الرسل منهم وينطقون بألسنتهم ، فقال تعالى:] وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم [4] فهذا (( من لطفه تعالى بخلقه أن يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به ) )تفسير ابن كثير (2/522) ، ولذا ينبغي لداعية التنبه بذلك ، الحرص على معرفة الأعراف والعوائد في البيئة التي يدعو إليها لتكون دعوته مؤثرة في النفوس ، مقنعة للعقول ، محببة للقلوب ، مناسبة للظروف ، قابلة للتطبيق فإذا جاء في بيئة يغلب عليها الفقر ويشيع فيها الكسل فإن المطالبة بالزهد في الدنيا والترفع عن شهواتها غير مناسب للبيئة وأحوال الناس ، وإذا دعا قومًا فاضت الأموال في أيديهم وشغلت الدنيا أوقاتهم فالحديث عن ضرورة التمتع بالمباح من الدنيا والحث على ذلك غير ملائم كذلك ، كما لا ينبغي أن يطول الحديث في الإنكار على أمور لا وجود لها في بيئة الدعوة إذ لا نفع في ذلك ، بل ربما ترتب عليه ضرر من حصول تشويش واضطراب أو حصول تطلع وافتتان بتلك الأمور .

قال ابن القيم في إعلام الموقعين منبهًا على هذا الموضوع: (( ولا تَجمد على المنقول في الكتب طول عمرك ، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك ) )إعلام الموقعين (3/78) ، ثم بين أثر ذلك وضرره فقال ك (( ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم بل هذا الطبيب وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم ) )إعلام الموقعين (3/78) .

وضرب ابن تيمية لذلك مثالًا علميًا فقال: (( ولو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم(أي الكفار) في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين ، والاطلاع على باطن أمرهم أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة ))اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص: 173) .

سادسًا: مراعاة الأولويات:

المراد بمراعاة الأولويات معرفة مراتب الأعمال ووضعها في مواضعها ، فإن المنهج الإسلامي قد جعل لكل عمل قدرًا ، فإماطة الأذى وإن كانت من الإيمان فإنها في الرتبة الدنيا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (( الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) )"ولا إله إلا الله"يقاتل لأجلها كما أخبر الرسول الكريم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )وإماطة الأذى لا يمكن أن تكون سببًا لقتال بل هي دون ذلك بكثير ويكفي فيها نصح ووعظ ، ولا يمكن المساواة بينهما ، في الدعوة إليهما والبذل في سبيل تحقيقهما .

وهذا ظاهر في بيان تفاوت عدد من الأعمال فيما تضمنه قوله تعالى ]أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون [ التوبة [19_20] .

ولا بد للداعي أن يعلم أن الأصول لا بد أن تقدم على الفروع ، والفروض تقدم على النوافل ، وفروض الأعيان مقدمة على فروض الكفايات ،وفروض الكفايات التي فيها عجز ظاهر أولى من التي انتدب لها غيره من المسلمين.

وللشيطان أرب في هذا الجانب لدى الدعاة فهو في معركة المراغمة يبدأ بالكفر فإن عجز فإلى البدعة ، فإن لم يفلح فإلى كبائر الذنوب ، فإن فشل فإلى صغائرها ، فإن لم يتمكن فإلى الاستكثار من المباح فإن (( تملص الداعية وسلَّ نفسه لم يكن استعلاؤه على الراحة والرغد كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس ، بل للشيطان محاولة سادسة فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى ، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية ، بعكس القواعد الشريعة في تفاضل الأعمال الإيمانية ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح ، فيقضي من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه ، يشغله بزيادة ركوع أو سجود ، هما جليلان ، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما ، وينقل آخر له وفرة قوة وبسطة في الجسم والذكاء وخبرة في السياسة والإدارة ، من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية ،ومن صولاته في ساحة الفكر إلى إشراف على بناء مدرسة أو إغاثة منكوب ) )المسار (ص:19) .

من المعلوم أن هناك مقاصد ضرورية مقدمة ، ومقاصد حاجية تأتي بعدها ، وهناك أيضًا مقاصد تحسينية تأتي في المرتبة الأخيرة ، ولا بد من مراعاة ذلك ومعرفة أن (( المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية ) )الموفقات (2/17) ، (( وأن الضروري هو الأصل وأن ما سواه مبنى عليه كوصف من أوصافه أو كفرع من فروعه ، ويلزم باختلاله اختلال الباقين لأن الأصل إذا اختل اختل الفرع من باب أولى فلو فرضنا ارتفاع أصل البيع من الشريعة لم يكن اعتبار الجهالة والغرر ، وكذلك لو ارتفع أصل القصاص لم يمكن اعتبار المماثلة فيه فإن ذلك من أوصاف القصاص ومحال أن يثبت الوصف مع انتفاء الموصف ) )الموفقات (2/18) .

والعقيدة هي أساس والشريعة هي البناء ، ولا بناء من غير أساس ولا عمل من غير توحيد وإخلاص ]وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعناه هباء منثورًا [ الفرقان [23] ]ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر [65] ، وسائر الرسل والأنبياء كانت الدعوة إلى التوحيد عندهم هي أولى الأولويات وأهم المهمات وكلهم كان نداؤهم ]اعبدوا الله مالكم من إله غيره [ هود [50] ، ومن منطلق العقيدة الإيمان سعوا إلى علاج الانحرافات الواقعة في مجتمعاتهم كلٌ بحسبه ، فموسى عليه السلام عالج الطغيان السياسي الفرعوني وما ترتب عليه من إذلال الناس واستعبادهم على أساس الإيمان ، ولوط عليه السلام عالج الانحراف الخلقي والشذوذ الجنسي في قومه ، وهكذا سائر الرسل والأنبياء .

والمصطفى - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالإيمان والتوحيد ثم شرعت الشرائع وفرضت الفرائض (( والدعاة عليهم أن يسلكوا سبيله وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم ولكن إذا كان المجتمع مسلمًا ساغ للداعي أن يدعو إلى الأهم وغيره ) )بل يجب ذلك عليه (( لأن المطلوب إصلاح المجتمع المسلم وبذل الوسع في تطهير عقيدته من شوائب الشرك ووسائله ، وتطهير أخلاقه مما يضر بالمجتمع ويضعف إيمانه ولا مانع من البدء بعض الأوقات بغير الأهم إذ لم يتيسر الكلام في الأهم ولا مانع أيضًا من اشتغاله بالأهم وإعراضه عن غير الأهم إن رأى المصلحة في ذلك أو خاف إن هو اشتغل بهما جميعًا أن يخفق فيهما جميعًا ) )مجموع فتاوى ابن باز (1/325) .

وهذا الأمر ينبغي أن يفهم فهمًا صحيحًا ، وأن يطبق تطبيقًا سليمًا من غير إفراط ولا تفريط ، فالمراد بالبدء بالعقيدة التركيز على أصولها وأركانها وهو ما يجب على المكلف اعتقاده ، إذ يجب عليه (( أن يؤمن بالله ورسوله ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما أمر به الرسول ونهى ، بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به فلا بد من تصديقه والانقياد له فيما أمر ، وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به ، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم بذلك فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلًا وهو داخل في إقراره بالمجمل العام ، ثم إن قال بخلاف ذلك متأولًا كان مخطئًا يغفر له خطؤه ، إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان ، ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على آحاد العامة ، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (3/327-328) ، بالتالي فإن الداعية إذا علَّم الناس أصول الإيمان على الإجمال أو وجدهم بها عالمين كان الأولى به أن يركز لهم على مقتضيات الإيمان وآثاره وربط ذلك بواقع حياتهم ، وهذا أجدى وأنفع من المضي بهم إلى مزيد من المسائل والفروع التي لا يحتاجها إلا طلبة العلم بل ربما المتخصصين منهم.

سابعًا: مراعاة المصالح والمفاسد

وهذا الأمر في غاية الأهمية وذلك لأن (( الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ،وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل ) )إعلام الموقعين (3/3) ، وهذا مبحث دقيق ينبغي في البداية التنبه إلى أن المراد بالمصالح والمفاسد ما كانت كذلك في حكم الشرع لا ما كان ملائمًا أو منافرًا للطبع ولا يكون تقريرها وفق أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية (الموفقات(2/37-40) ثم النظر في تقرير المصالح والمفاسد وتقريرها والترجيح بينها يحتاج إلى تقوى لله صادقة ، بصيرة علمية نافذة ، ومعرفة بالواقع واسعة ، ليتمكن الداعية من تحقيق مقصود الشريعة التي (( جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (20/48) ، والدقة في هذا المبحث تكمن في أن المعروف قد يترك فعله والحض عليه ، والمنكر قد يترك النهي عنه والإنكار عليه ، بل قد يُدعى إلى ترك بعض أفعال الخير ، ويقصد إلى فعل بعض المنكر وكل ذلك باعتبار تحقيق المصلحة ودفع المفسدة ، فعند تحقيق أعظم المصلحتين تفوت أدناهما وهي من المعروف المطلوب فعله ، وعند درء أكبر المفسدتين يُرتكب أخفهما وهي المنكر المطلوب تركه ، والخلاصة أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها ، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصَّل إلا بها ، والحسنة تترك في موضعين ، إذا كانت مفوَّتة لما هو أحسن منها ، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها عن منفعة الحسنة )) مجموع فتاوى ابن تيمية (20/53) .

وفقه المسألة يزيل ما قد يعلق في العقول من عجب أوشك وبيانه أنه (( إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقُدِّم أو كدهما ، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا ، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة ، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (20/57) .

وهذه أمثلة عملية في هذا الباب أسوقها من كلام العلماء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت