فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 145

وهنا ستكون الإجابات بالنفي فعقولهم تمنعهم أن يقولوا إنّ أصنامهم تسمع دعاءهم أو تجيب رجاءهم ، وهذا يؤدي إلى عدم جدوى هذه الأصنام وبالتالي الاستسلام العقلي بوجود وألوهية الخالق الذي جاء في هذه الآيات وصف أفعاله سبحانه وتعالى .

ومن الأمثلة الحديثية:-

1.عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال مستنكرًا ومسترشدًا: يا رسول الله ولد غلامٌ أسود ، فقال: هل لك من إبل ؟ قال: نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال: حُمر ، قال: هل فيها من أورق ؟ أورق:أي: أسمر- النهاية في غريب الحديث (5/175) قال: نعم ، قال:فأنى ذلك ؟ قال: لعله نزعه عرق ، قال: فلعل ابنك هذا نزعة عرق .أخرجه البخاري ، كتاب الطلاق ، باب إذا عرّض بنفي الولد (الفتح9/442) .

فهذا الرجل جاء سائلًا مستفتيًا عما وقع له من الريبة ، فلما ضرب له المثل أذعن ، وقال ابن العربي: (( فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظر ) )فتح الباري (9/444) .

2.عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (( إن فتى من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أتأذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه ، وقالوا: مه مه ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: أدنه ، فدنا منه قريبًا ، قال: فجلس ، قال: أتحبه لأمك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، قال أتحبه لابنتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم ، قال: أتحبه لعمتك ؟ قال: لا والله جعلني فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم قال: أتحبه لخالتك ؟ قال: لا والله جعلني الله فداك ، قال: ولا الناس يحبونه لخالتهم ، قال فوضع يده عليه ، وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه ،وحصن فرجه ، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ) )المسند (5/257) .

فهذا الشاب قرَّره النبي - صلى الله عليه وسلم - في رفض هذا الفعل في صور شتى ثم توصل في آخر الأمر إلى رفض ونفي ما كان يطلب الإذن فيه من الزنا .

ومثل ذلك ما فعلته أم سليم زوجة أبي طلحة كما روى أنس بن مالك: (( اشتكى ابن لأبي طلحة ، قال فمات وأبو طلحة خارج . فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئًا ونحّته في جانب البيت .فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام ؟ قالت: قد هدأت نفسه ، وأرجو أن يكون قد استراح . وظنّ أبو طلحة أنها صادقة . قال: فبات . فلما أصبح اغتسل ، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات ، فصلّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما ) )صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة ، (الفتح) (3/169) .

(ج) أسلوب الإمرار والإبطال:-

وهو أسلوب قوي في إفحام المعاندين أصحاب الغرور والصلف بإمرار أقوالهم وعدم الاعتراض على بعض حججهم الباطلة منعًا للجدل والنزاع خلوصًا إلى حجة قاطعة تدمغهم وتبطل بها حجتهم تلك فتبطل الأولى بالتبع.

ومن الأمثلة القرآنية:

1.قصة إبراهيم مع النمرود قال تعالى ]ألم تر إلى الذين حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين [ البقرة [258 ] .

نقل ابن كثير في تفسيره عن بعض السلف أن قول النمرود أنه يحي ويميت استَدل له بأن أتى برجلين استحقا القتل ، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر ، ثم قال: (( والظاهر- والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ، ويوهم أنه فاعل لذلك وأنه هو الذي يحي ويميت ) )ثم قال: (( إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق فإن كنت إلهًا كما تدعي ، فأت بها من المغرب ، فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت: أي خرس فلا يتكلم وقامت عليه الحجة ) )وبين أن المقام الأول كالمقدمة للمقام الثاني ، وهذا الأسلوب يثبت بطلان ما ادعاه النمرود في ادعائه الأول .تفسير ابن كثير (1/313) .

وقد أحسن صاحب الظلال في توضيح هذا الأسلوب حيث قال (( عرَّف إبراهيم ربه بالصفة التي لا يمكن أن يشاركه فيها أحد ، ولا يمكن أن يزعمها أحد ... و هذا الملك يسأله عمن يدين له الربوبية ، ويراه مصدر الحكم والتشريع وغيره ،قال ]ربي الذي يحي ويميت [ فهو من ثم الذي يحكم ويشرع ) )، ثم قال تعليقًا على قوله تعالى ] أنا أحي وأميت [: لم يرد إبراهيم عليه السلام أن يسترسل معه في جدل حول معنى الإحياء والإماتة مع رجل يماري ويداور في تلك الحقيقة الهائلة ، حقيقة منح الحياة وسلبها ، هذا السر الذي لم تدرك منه البشرية حتى اليوم شيئًا ، وعندئذ عدل عن هذه السنة الكونية الحقيقة إلى سنة أخرى ظاهرة مرئية ، وعدل عن طريقة العرض المجرد للسنة الكونية والصفة الإلهية في قوله ] ربي الذي يحي ويميت[ إلى طريقة التحدي ، وطلب تغيير سنة الله لمن ينكر ويتعنت ويجادل في الله )) الظلال (1/298) .

وعلق بمثل قوله السعدي في تفسير فقال: (( فلما رآه الخليل مموهًا تمويهًا ربما راج على الهمج والرعاع قال إبراهيم ملزمًا بتصديق قوله: إن كان كما يزعم ]فإن الله يأتي بالشمس ..[ الآية فأتى(أي إبراهيم) بهذا الذي لا يقبل الترويج والتزوير والتمويه ))تفسير السعدي (1/320) .

2.قصة موسى عليه السلام مع فرعون ، وهي نموذج مطول في هذا الأسلوب حيث أعرض موسى عن كل اعتراض وشبهة أوردها فرعون ومضى إلى إبطال دعوى الألوهية لفرعون من خلال إقامة الحجة العقلية الظاهرة على ربوبية وألوهية الله ، وذلك في الآيات من سورة الشعراء ، قال تعالى:] قال فرعون وما رب العالمين ، قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ، قال لمن حوله ألا تستمعون ، قال ربكم ورب آبائكم الأولين ، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ، قال لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين [ الشعراء [23-29] .

فهنا أعرض موسى عليه السلام عن تهكم فرعون ومضى إلى غايته مقيمًا حجته مقررًا قضيته ، ثم غض الطرف عن تهمة الجنون الباطلة ولم يستغرق جهده في إبطالها بل مضى في تقوية أدلته ونصرة قضيته ، حتى أخذ فرعون وحوصر وفشلت حيلته ، وانقطعت تهكماته واتهاماته ، وأفحم بالحجج فلجأ إلى القوة وهي حيلة العاجز في ميدان المناظرة والاحتجاج ، وهذا دليل على أنه هزم وهذا الأسلوب دليل على كمال عقل موسى عليه السلام وحسن تقريره .

ولا شك أن الداعية مطالب بتفهم هذه الأساليب والإفادة منها ليكتسب فطنة تساعده على تقرير المسائل وإقامة الحجة وسرعة البديهة .

وهذه أمثلة لأئمة ودعاة كانت لهم أقوال ومواقف تبين رجاحة عقولهم وقوة حجتهم .

المثال الأول:

يذكر عن أبي حنيفة أنه حاج قومًا من الملاحدة الدهريين فقال لهم: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا: لا ، هذه شيء لا يقبله العقل .

فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها وتباين أكنافها ، من غير صانع وحافظ ؟ فهبت القوم وأفحموا (أنظر درء تعارض العقل والنقل(3/127) .

المثال الثاني:

طلب الحجاج الحسنَ البصري ، فلما دخل عليه قال له الحسن: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب ؟ قال: كثير ، قال فأين هم ؟ قال: ماتوا ، فنكس الحجاج رأسه وخرج الحسن (البداية النهاية(9/135) .

وهذا المثل على وجازته فيه استخدام العقل بالتفكير والتأمل والوصول إلى النتيجة التي فيها العظة والعبرة .

المثال الثالث:

سأل بعض النصارى القاضي أبا بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم ؟ وما كان من أمرها بما رميت من الإفك ؟ فقال الباقلاني على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء ، مريم و عائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد ، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج ‍‍‍‍‍! البداية والنهاية (9/135) .

فكان هذا الجواب في غاية الروعة والإفحام ، لأن ذلك الخبيث أراد التعريض والإحراج بقصة حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة رضي الله عنها ، فأجاب الباقلاني بأن هذه فرية برأها الله منها ولكنه قرن ذلك بذكر مريم ، ليشير إلى أن براءة عائشة عقلًا أولى ، لأنه لو تطرق إلى العقل احتمال الريبة فهو في حق مريم أعظم ، فإن قبلتهم أيها النصارى براءتها فيلزمكم قبول براءة عائشة من باب الأولى .

المثال الرابع:

ما ذكره مفتي الديار السعودية سابقًا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم في مجموع فتاواه (مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ(1/75) عن الشيخ عبد الرحمن البكري حيث قال (( كنت بجوار مسجد في الهند ، وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وإذا خرج من المسجد مرَّ بي ، وقال: أنا أجيد العربية ولكن أحب أن أسمعها من أهلها ، ويشرب عندي ماء باردًا ، فأهمني ما يفعل في درسه قال: فاحتلت بأن دعوته ، وأخذت (( كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ) )للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ونزعت غلافه ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه ، فلما حضر قلت: أتأذن لي أن آتي ببطيخة . فذهبت فلما رجعت .. إذا هو يقرأ ويهز رأسه عجبًا فقال: لمن هذا الكتاب ؟ هذه التراجم شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري !! فقلت لا أدري ! ثم قلت: ألا نذهب لشيخ الغزوي لنسأله - وكان صاحب مكتبة - فدخلنا عليه فقلت للشيخ الغزوي كان عندي أوراق سألني الشيخ من هي له ؟ فلم أعرف ! ففهم الغزوي المراد ، فنادى من يأتي بكتاب (مجموعة التوحيد) فأتي بها فقابل بينهما فقال: هذا لمحمد بن عبد الوهاب ، فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر ! فسكتنا وسكت قليلًا ، ثم هدأ غضبه فاسترجع ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه ، ثم صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه )) . فهذه فطنة داعية وذكاء عالم .

المبحث الرابع: رجاحة الصدر وسماحة النفس:-

إن الداعية الحق شخصية متميزة فهو كالمنارة الهادية من بُعد لمن ضل أو حار ، وهو كالظل الوارف لمن لفحه حر الشمس والمسير في الهجير ، وبالتالي فهو نقطة تجمُّع بالنسبة للمدعوين ، ولذا فإنه يحتاج إلى أن يتحلى برحابة الصدر وسماحة النفس ليستوعب الناس ويستميلهم للخير والحق (( فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء ) )الظلال (1/500-501) .

وهكذا كان قلب الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا كانت حياته مع الناس ، (( ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة ، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ، ووسعهم حمله وبره وعطفه ووده الكريم ، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلاّ امتلأ قلبه بحبه ، نتيجة لما أفاض عليه - صلى الله عليه وسلم - من نفسه الكبيرة والرحيبة ) )في ظلال القرآن (1/500- 501) ، والنفس السمحة ليس فيها ضيق أو السماحة السهولة واللين . انظر القاموس المحيط (1/229) .

والناس مشاربهم شتى ، وسلوكياتهم متباينة ، واحتياجاتهم كثيرة ، واستفزازاتهم مثيرة ، وهذا لا بد أن يقابله الداعية بالاحتمال ، لأن الاحتمال - كما قيل - قبر المعايب .

هذه الخصيصة مهمة في تكوين الداعية ، يحتاج أن يجتهد في اكتسابها لأنها وقود محرك له في دعوته كما أنها ترفع كفاءة القبول ، وتكبح جماح الانفعالات النفسية ذات الآثار السلبية ، وتتجلى هذه الخصيصة في عدد من الخلال توضحها وتبين أثرها ومن أهمها:

أولًا: الرحمة والشفقة:

(( إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ، وإرادة الخير لهم والنصح لهم ، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام ، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو ذلك إليهم أيضًا ) )أصول الدعوة (ص:344،343) .

وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين ، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم ، والهلاك القادمين إليه ، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفه عند الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ]فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف[6] وقوله تعالى ]لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء [3] . تأمل هذه الآيات فإنه (( من فرط شفقته - صلى الله عليه وسلم - داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان ، فهوّن الله سبحانه عليه الحال ، بما يشبه العتاب في الظاهر كأنه قال له: لم كل هذا ؟ ليس في امتناعهم- في عدِّنا- أثر، ولا في الدين من ذلك ضرر ) )لطائف الإشارات (1/377) .

وقال ابن القيم في تفسيره تفسير ابن كثير (3/72) : يقول تعالى:]فلعلك باخع ...[ مسليًاَ لرسول - صلى الله عليه وسلم - في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه )) .

فهذه نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم ، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم .

إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه ، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته ، ويتلطف في علاجهم ، وإن رأى منهم عزوفًا عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء ، وإقناعهم بضرورة تناوله ، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المفرطون ، وهكذا فإن (( الداعي الرحيم لا يكفُّ عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة ، وأن إعراضهم بسبب جهلهم ، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم ) )أصول الدعوة (ص:344) .

فالرحمة - كما ترى - باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذًا للناس من الهلاك ، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض .

ولا ينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون بل تأتي الرحمة أحيانًا كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو ، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه (( فليست الرحمة حنانًا لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام ، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعًا ) )خلق المسلم (ص:207) .

وإن في سيرة المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - أعظم وأروع الأمثلة على الرحمة سيما في المواقف العصيبة التي بلغت فيها المعاناة أشد مراحلها التي تضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو ، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم ، ومع ذلك تبقي نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة كما حصل يوم رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن ذهب إليها وفي قلبه أمل ، فلقي فيها أعظم مما كان يتصور من الإعراض فرجع كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئًا ) )أخرجه البخاري ، في كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء (الفتح) (6/360) ، وفي صحيح مسلم كتاب الجهاد ، باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى المشركين والمنافقين (عبد الباقي) (3/1420) وانظر الرحيق المختوم (ص:150) .

وفي يوم أحد عندما شجّ وجهه الشريف ، وكُسرت رباعيته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه (انظر الرحيق المختوم(ص:314) ، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )وفي صحيح مسلم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )أخرجه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد (عبد الباقي) (3/1417) ، ومن هنا جاء الوصف الرباني العظيم في ثنايا الآيات التي نزلت في غزوة أحد:] فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران [159] .

(( لقد أراد الله أن يمتنَّ على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثي لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ يناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها ، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانًا سليم الفطرة لا يضري ولا يطغي فأرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وسكب في قلبه من العالم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد الله رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدرًا ) )خلق المسلم (ص:204) .

نعم (( إن الرحمه كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى ، هي كمال في الطبيعة ، لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ) )خلق المسلم (ص:203) .

ثانيًا: الحلم والأناة:

في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة ، وأفعال مستفزة ، والناس - باختلاف طبائعهم - تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش ، فمنهم من (( تستخفه التوافه فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقي على وقعها الأليم محتفظًا برجاحة فكره وسجاحة خلقه ) )خلق المسلم (ص: 106) .

والحلم (( فضيلة خلقية نافعة .. تقع في قمة عالية دونها منحدرات ، فهو أناة حكيمة بين التسرع والإهمال أو التواني ، وضبط للنفس بين الغضب وبلادة الطبع ، ورزانة بين الطيش وجمود الإحساس ) )الأخلاق الإسلامية (2/325) .

والأناة عند الداعية إلى الله تعالى (( تسمح له بأن يُحكم أموره ، ويضع الأشياء في مواضعها ، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق ، وتعرضه للتعثر والارتباك ، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق ، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرض لللتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها ) )الأخلاق الإسلامية (2/353) ، وقد امتدح النبي - صلى الله عليه وسلم - الأشج فقال: (( إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ) )أخرجه مسلم ، في كتاب الإيمان ، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله (عبد الباقي) (1/48) ، فرحابة الصدر وسعة النفس تقتضي عدم الانفعال المخرج عن حد الصواب والاعتدال ، وجمهور الدعوة قد يقع منهم ما يدفع إلى الغضب ، وكثيرًا ما يتصرفون بدافع من العجلة والرغبة في الحصول على النتائج السريعة ، ومجاراة الداعية لهم في الحالتين خلل في مسلك الدعوة ، لأن المسايرة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة ، وقد يكون أولئك العامة مندفعين إلى تلك العواقب بحمية عصبية وحماسة استفزازية ، (( لكن المصلحين العظماء لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من أناتهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاءً ، ويطلقوا ألسنتهم تلهج بالثناء ) )خلق المسلم (ص:107) .

ومن أمثله من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رواه أنس بن مالك حيث قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب ماء أهريق عليه (أخرجه البخاري ، كتاب الطهارة ، باب صب الماء على البول في المسجد(الفتح) (1/324) .

ومواقف أخرى كثيرة تبين حمله الذي لا يندفع فيه مع مقتضى الطبع ، ولا يمضي معه وفق أعراف الجاهلية وانتصاراتها المبنية على الحمية لأن (( الجاهلية التي عالج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة ، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم ، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد ، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنح الفساد ، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد .

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (خلق المسلم(ص:109) .

ثالثًا: العفو والصفح:

ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم للغيظ وضبط للغضب ، ثم الأناة التي فيها تبصر بالأمور وتأن في التصرف ، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين كل ذلك يثمر العفو والصفح لأن (( القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبدًا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان ) )خلق المسلم (ص:204) .

ومادام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه ، قال تعالى:]خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف [199] .

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع ، قال تعالى: ]فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [ آل عمران [159] .

وعند ما وقعت حادثة الإفك ، كان وقعها على آل أبي بكر شديدًا ، فلما نزلت البراءة حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بن أثاثة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ]ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم [ النور [22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت