"وأشار بقوله: "ما كان" إلى ما بيّنه حيوة في روايته المشار إليها؛ فإن أولها أن عاملًا لمعاوية أجرى عينًا من ماء ليسقي بها أرضًا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرقه ليُجري العين منه إلى الأرض؛ فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد، فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر".
ورواية حيوة - وهو ابن شريح المصري - المشار إليها هي روايته الحديث عن أبي الأسود عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص التي أخرجها الطبري فيما ذكر الحافظ في الفتح، وإسنادها على شرط الصحيح إن صحَّ إلى حيوةَ.
وقد أخرج المزِّي الحديث بإسناده إلى سُعير بن الخمس عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عمروٍ به، وذكر في القصة: أنَّ معاوية (بدل عنبسة) ، وقد أخطأ سعيرٌ في إسناد هذا الحديث، وصوابه ما رواه الثوري وغيره عن عبد الله بن الحسن عن عمه - أخي أبيه لأمه - إبراهيم بن عبد الله بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وظاهرٌ من هذه الروايات أنَّ معاوية رضي الله عنه أراد أن يأخذ الأرض، وأمر أخاه عنبسة وهو واليه على مكة بأخذها، فكان من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما كان، وهو ما جاء صريحًا فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى عامل له ليأخذ الوهط فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبس سلاحه .. فذكر الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد.