من أمثلة ذلك هذه الشبهة التي نعرض لها حيث يرى بعضهم أنّ دولة الإسلام لا تقوم إلا بنفس الطريقة التي قامت عليها دولة الإسلام الأولى، ومن ثم يعترض - بناءً على ذلك - على أي جهاد يقوم قبل قيام تلك الدولة، أو ربما اعترض بتلك الشبهة على بعض صور الجهاد دون بعض، وقد سبق في سؤالٍ ماضٍ الحديث عن النسخ الذي طرأ على طريقة إقامة دولة الإسلام مما يتعلق بمراحل تشريع الجهاد، وما أريد قوله الآن هو: أن في هذا الكلام خلطًا كبيرًا إذ إن الجهاد القائم اليوم كلّه جهاد دفعٍ سواءً ما كان منه في فلسطين أو الشيشان أو أفغانستان أوفي جزيرة العرب أو في أمريكا وبريطانيا فكله من جهاد الدفع إذ غايته ردّ العدو الصائل ونصرة المستضعفين والدفع عن أعراض المسلمين وأموالهم وأنفسهم، وأديانهم قبل ذلك.
فكيف إذن يراد لهذا الجهاد أن يتوقف بشبهة أن الجهاد لا يكون قبل الدولة؟ أي دينٍ أو عقلٍ يقضي بذلك؟
ثم لنفرض أن هذا الجهاد هو لإقامة دولة الإسلام فهل يصح أن يعترض عليه بتلك الشبهة أيضًا "لا جهاد قبل الدولة" استنادًا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟! أبدًا لا يصح ذلك، وإلا لوجب أن تتبع جميع خطوات إقامة الدولة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم العازمون على إقامة الدولة بعرض أنفسهم على القبائل، والبحث عن موطن هجرة، ثم الانتقال إليه دون إراقة قطرة دم واحدة قبل قيام الدولة!! فهل قال أحد من المسلمين بوجوب مثل ذلك؟! وأن من فعل غير هذه الطريقة لم يكن متبعًا للسنة؟
وكيف إذن تقوم دولة الإسلام إذا لم يجز الجهاد قبل الدولة؟ هل ننتظر أن تنزل ملائكة من السماء لتقيمها ونحن قاعدون؟ أم نتوقع أن يتنازل لنا أعداء الله طواعية ويسلموا لنا زمام الدولة لنحكمها بشرع الله؟
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز: "وقد خرج جماعة من المسلمين على الحكام المرتدين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده، دون تَمَيُّز في الديار أو مفاصلة، فلما خرج الأسود العنسي المتنبي الكذاب وغلب على اليمن واستولى عليها احتال عليه فَيْروز الديلمي - وكان من أنصاره في الظاهر - حتى قتله، وذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة، وما قال أحد كيف يقتل فيروز هذا الأسود قبل أن ينحاز إلى أرض مستقلة؟ كذلك خرج يزيد بن الوليد وطائفة معه على الخليفة الوليد بن يزيد لما اتُّهِم بالانحلال في الدين حتى قتلوه، دون تَمَيُّز في الديار، ونقتصر على هذين المثلين اختصارا ...
وقد انعقد الإجماع على أنه إذا نزل العدو الكافر ببلد تَعَيَّن على أهله قتالهم - أي صار دفع الكافرين فرض عين على المسلمين بهذه البلدة - فهاهم المسلمون وعدوهم في دار واحدة، وقد فقد المسلمون استقلالية دارهم بالغزو، ومع ذلك يجب عليهم القتال عَيْنًا إجماعا ...
إن هذا القول باشتراط تَمَيُّز الدارين لوجوب الجهاد هو قول فاسد، وهو يفضي إلى تعطيل الجهاد خاصة جهاد الدفع. قلت: كذلك فإن هذا القول باشتراط تميز الدارين معناه الاستسلام للأمر الواقع والسكوت عن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين، ومعناه إسقاط فريضة الجهاد المتعين على أعيان المسلمين بهذه البلاد، وهذا القول يفضي إلى استئصال الإسلام بالكلية من هذه البلاد في زمن يسير، نعوذ بالله من ذلك" ا. هـ من العمدة بتصرف. والخلاصة أن هذه الشبهة ساقطة من وجوه: