وكذلك كان الحال يوم بيعة العقبة. فنُصرة الدين ليست دروسًا تُعطى فقط؛ والدين لا يقوم على فتات أوقاتنا وأموالنا. وإنما سلعة الله غالية، فشتان شتان بين الجلوس وتقديم الدروس وبين تقديم النفوس والرؤوس لنصرة الدين.
لذا فإن العباس بن عبد المطلب - وقد كان على دين قومه - أراد أن يطمئن على ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم عند الأنصار، فقال: - وكان مما قال - "فإن كنتم أهل قوة وجلَد وبصيرة بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة". فأقول هذه الصفات كانت مطلوبة لأهل الإيمان لحِفْظِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مطلوبة اليوم أيضًا لحِفظ دين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعد أن أنهى العباس كلامه قال البراء بن معرور من الأنصار: "قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مُهج أنفسنا دون رسول الله". فأقول هكذا الدين إنما يقوم بالوفاء والصدق وببذل المهج من أجل المنهج. ثم لمّا قاموا للمبايعة قال أسعد بن زرارة: "رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضْرِب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقَتْلُ خياركم وأن تعضّكم السيوف فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا يا أسعد أَمِطْ عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها"، هكذا كانت صفات الذين يريدون أن يحموا ويقيموا دين الإسلام رضي الله عنهم.