الصفحة 1190 من 1282

كما تقدم ، فلم يقل: صمد ، بل قال: { اللَّهُ الصَّمَدُ } فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه ؛ فإنه المستوجب لغايته

على الكمال ، والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه ، فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه ، فإنه يقبل التفرق والتجزئة ، وهو أيضًا محتاج إلى غيره ، فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه ، فليس أحد يصمد إليه كلُّ شيء ولا يصمد هو على شيء إلا الله ، وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض ، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك ، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة ، لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه ، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه . وقال أبو السعود: وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل من استحقاق الألوهية . وتعرية الجملة على العاطف لأنها كالنتيجة للأولى ، بيَّن أولًا ألوهيته عزَّ وجلّ المستتبعة لكافة نعوت الكمال ، ثم أحديته الموجبة تنزهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجه من الوجوه ، وتوهم المشاركة في الحقيقة وخواصها ، ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتيّ عما سواه ، وافتقار جميع المخلوقات إليه في وجودها وبقائها وسائر أحوالها ؛ تحقيقًا للحق وإرشادًا لهم إلى سننه الواضح ، ثم صرح ببعض ما يندرج فيما تقدم ، بقوله سبحانه: { لَمْ يَلِدْ } نصيبًا على إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح ؛ ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي ، أي: لم يصدر عنه ولد ؛ لأنه لا يجانسه شيء ليمكن أن يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا ، كما نطق به قوله تعالى: { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ } [ الأنعام: 101 ] ، ولا يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه ؛ لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه . انتهى .

وقال ابن تيمية: وقد شمل ما أخبر به سبحانه من تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة كلَّ أفرادها ، سواء سموها حسية أو عقلية ، كما تزعمه الفلاسفة الصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة التي هم مضطربون فيها ، هل هي جواهر أو أعراض ؟ وقد يجعلون العقول بمنزلة الذكور والنفوسَ بمنزلة الإناث ، ويجعلون ذلك آباءهم وأمهاتهم وآلهتهم وأربابهم القريبة ، وذلك شبيه بقول مشركي العرب وغيرهم ، الذين جعلوا له بنين وبنات ، قال تعالى: { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاءٍَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } [ الأنعام: 100 ] ، وقال تعالى: { أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ الصافات: 151 - 152 ] ، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله . كما يزعم هؤلاء أن النفوس هي الملائكة ، وهي متولدة عن الله ، فقال تعالى: { وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ } [ النحل: 57 ] ، والآيات في هذا كثيرة .

وقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت