فهرس الكتاب
{ وَلَمْ يُولَدْ } نفي لإحاطة النسب من جميع الجهات ، فهو الأول الذي لم يتقدمه والد كان منه ، وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه . قال الإمام: قوله { وَلَمْ يُولَدْ } يصرح ببطلان ما يزعمه بعض أرباب الأديان من أن ابنًا لله يكون إلهًا ، ويُعبد عبادة الإله ، ويُقصد فيه الإله ، بل لا يَستحي الغالون منهم أن يعبِّروا عن والدته بأم الإله القادرة ؛ فإن المولود حادث ولا يكون إلا بمزاج ، وهو لا يسلم من عاقبة الفناء ، ودعوى أنه أزلي مع أبيه ، مما لا يمكن تعقلهُ ؛ فهو سبحانه منزَّه عن ذلك .
{ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } أي: ولم يكن أحد يكافئه أي: يماثله من صاحبة أو غيرها . وقال الإمام: الكفؤ معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة . وهو نفي لما يعتقده بعض الوثنيين في الشيطان مثلًا . فقد نفى بهذه السورة جميع أنواع الشرك ، وقرَّر جميع أصول التوحيد والتنزيه . وقال ابن جرير: الكفؤ والكفئ والكفاء في كلام العرب واحد ، وهو المثل والشبه .
وقرئ: { كُفُوًا } بضم الكاف والفاء وقلب الهمزة واوًا . وقرئ بتسكين الفاء وهمزها ، وهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان . و { لَّهُ } صلة لـ: { كُفُوًا } قدمت عليه ، مع أن حقها التأخر عنه ؛ للاهتمام بها ، لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى . وأما تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل .
فوائد من هذه السورة:
الأولى: قال الشهاب: فإن قلت المأمور: { قُلُ } من شأنه إذا امتثل أن يتلفظ بالمقول وحده ، فلِم كانت { قُلْ } من المتلوّ فيه وفي نظائره في القراءة ؟ قلت: المأمور به سواء كان معينًا أم لا ، مأمور بالإقرار بالمقول ، فأثبت القول ليدل على إيجاب مقوله ولزوم الإقرار به على مرّ الدهور .
الثانية: قال الإمام ابن تيمية: احتج بقوله تعالى:
{ اللَّهُ الصَّمَدُ } من أهل الكلام المحدث من يقول: الرب- تعالى- جسم . كبعض الذين وافقوا هشام بن الحكم ومحمد بن كرام وغيرهما ، قالوا: هو صمد ، والصمد الذي لا جوف له . وهذا إنما يكون في الأجسام المصمتة ، فإنها لا جوف لها ، كما في الجبال والصخور وما يصنع من عواميد الحجارة ؛ ولهذا قيل في تفسيره: إنه الذي لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه شيء ولا يأكل ولا يشرب . ونفي هذا لا يعقل إلا عما هو جسم .
وقالوا: أصل الصمد: الاجتماع ، ومنه تصميد المال . وهذا إنما يعقل في الجسم المجتمع . وأما النفاة فقالوا: الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق والانقسام ، وكل جسم في العالم يجوز عليه التفرق والانقسام .