الصفحة 1192 من 1282

وقالوا أيضًا: الأحد الذي لا يقبل التجزؤ والانقسام . وكل جسم في العالم يجوز عليه التفرق والتجزؤ والانقسام . وقالوا: إذا قلتم: هو جسم كان مركبًا مؤلفًا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة . وما كان مركبًا مؤلفًا من غيره كان مفتقرًا إليه ، وهو سبحانه صمد ، والصمد الغني عمن سواه ، فالمركب لا يكون صمدًا . انتهى .

وقال الرازي: قد استدل القوم من جهَّال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم ، وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدًا ينافي كونه جسمًا . فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام المتضاغظة ، وتعالى الله عن ذلك . فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه ؛ وذلك لأن الجسم الذي يكون كذلك ، يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير ، وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجبًا لذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وجميع صفاته . انتهى .

وأقول: التصحيح في تأويل الصمد ما ذكرناه أولًا ، وهو ما حكاه ابن جرير وغيره عن العرب في معناه . وإذا تحقق هذا ، فلا يعول على هذا الثاني ولا لوازمه .

الثالثة: قال ابن تيمية: كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب ، يجب أن تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال الثابتة له ، وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله ، وهذه السورة دلت على النوعين ، فقوله: { أَحَدٌ } من قوله: { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } ينفي المماثلة والمشاركة . وقوله: صمد يتضمن جميع صفات الكمال ، فالنقائص جنسُها منفيٌّ عن الله تعالى ، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها . بخلاف ما يوصف به الرب ، ويوصف العبد بما يليق به مثل العلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك ، فإن هذه ليست نقائص بل ما ثبت لله من هذه المعاني ، فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات ، فضلًا عن أن يماثله فيه ، بل ما خلقه الله في الجنة من المآكل والمشارب والملابس لا يماثل ما خلقه في الدنيا وإن اتفقا في الاسم ، فكلاهما مخلوق . فالخالق تعالى أبعد في مماثلة المخلوقات من المخلوقات إلى المخلوق . وقد سمَّى الله نفسَه عليمًا حليمًا رؤوفًا رحيمًا سميعًا بصيرًا عزيزًا ملِكًا جبارًا متكبرًا ، وسمَّى أيضا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء ، مع العلم أنه ليس المسمى بهذه الأسماء من المخلوقين مماثلًا للخالق جلَّ جلاله في شيء من الأشياء .

الرابعة: قدمنا ما ورد في الحديث من أن < سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن > .

وقد ذكروا في ذلك وجوها ، منها ما قاله أبو العباس بن سريج: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها للأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقال الغزالي في"جواهر القرآن": مهمات القرآن هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت