الصفحة 1193 من 1282

معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم ، فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة ، والباقي توابع . وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث ، وهي معرفة الله ، وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع . وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفؤ . قال: والوصف بالصمد يشعِر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه . نعم ، ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم ، فلذلك تعدل ثلث القرآن ، أي: ثلث الأصول من القرآن كما قال: < الحج عرفة > أي: هو الأصل والباقي تبعٌ .

وقال ابن القيم في"زاد المعاد": < كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص والكافرون > وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل ، وتوحيد المعرفة والإرادة ، وتوحيد الاعتقاد والقصد ؛ فسورة الإخلاص متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة ، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشرِكة بوجه من الوجوه . والصمدية المثبتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه ، ونفي الولد والوالد الذي هو من لازم الصمدية وغناه وأحديته ، ونفي الكفؤ المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير ، فتضمنت هذه السورة إثبات كلَّ كمال له ، ونفي كل نقص عنه ، ونفي إثبات شبيه أو مثل له في كماله ونفي مطلق الشريك عنه ، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ؛ ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن ، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء ، والإنشاء ثلاثة: أمر ، ونهي ، وإباحة . والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه ، وخبر عن خلقه ؛ فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن ، وخلَّصت قارئها المؤمن من الشرك العلمي ، كما خلّصت سورة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } من الشرك العملي الإرادي القصدي .

ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه ومنزِلُه منازله ، كانت سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تعدل ثلث القرآن ، والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغَ التواتر ، و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } تعدل ربع القرآن ، وفي الترمذي: من رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، يرفعه:

< { إِذَا زُلْزِلَتِ } تعدل نصف القرآن و { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تعدل ثلث القرآن و { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } تعدل ربع القرآن > رواه الحاكم في المستدرك ، وقال: صحيح الإسناد .

ولما كان الشرك العملي الإرادي أغلب على النفوس لأجل متابعتها هواها ، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه ، لِما لها فيه من نيل الأغراض ، وإزالته وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته ؛ لأن هذا يزول بالعلم والحجة ، ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه ، بخلاف شرك الإرادة والقصد ، فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطن الشهوة والغضب على نفسه ؛ فجاء من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت