فهرس الكتاب
الخالص ، وأنه لو أنعم النظر فيه لوجد بعض الخير قائما إلى جانب هذا الشر .. فالمخلوقات خيرها كثير ، وشرها بالإضافة إلى الإنسان في ذاته ، قليل.
فالمستعاذ منه هو هذا الشر القليل إلى جانب الخير الكثير ، والمراد بالاستعاذة من هذا الشر ، هو أن يلقى الإنسان المخلوقات في خيرها الخالص ، دون شرها ، الذي يستعيذ باللّه منه.
وقد يكون للإنسان ، أو الحيوان حيلة في دفع بعض الشرّ ، فليحتل حيلته ، وليبذل وسعه ، ولكن هذا لا يمنع الإنسان العاقل من أن يجعل معاذه هو اللّه سبحانه ، كما أن معاذه باللّه ، لا يحمله على تعطيل ملكانه وقواه ، فنلك وسائل أودعها الخالق جلّ وعلا فيه ، وهى داخلة في الاستعاذة باللّه ، واللّجأ إليه .. فما يملكه الإنسان من قدرات على دفع ما يدفع به من شرور ، ومكاره ، هى أسلحة من عند اللّه سلّحه بها ، فلا يعظلها ، وليذكر فضل المنعم بها عليه ، فإنها عند المؤمن استعاذة باللّه.
وليس الشرّ المستعاذ باللّه منه ، هو شرّ في ذاته ، لأن اللّه سبحانه ما خلق شرّا ، وإنما هو شرّ إضافىّ ، أو نسبىّ ، وذلك بالإضافة إلى من وقع عليه ، والذي يعدّه شرّا بالنسبة له هو ، ولكنه في النظام العام للوجود ، هو خير مطلق ، كما قلنا.
وأما الشر المستعاذ به ، فهو شر يقع من احتكاك الموجودات بعضها ببعض ، أشبه بالشرر المتطاير من احتكاك الزناد بالصّوان ، بل هو أشبه بآلام المخاض لميلاد حياة متجددة في الحياة! فالإنسان في ذاته يشعر بآلام المرض ، والجوع ، ويجد لذعة الحرمان والفقر ، ومرارة فقد الأحباب والأعزاء ، وخيبة الآمال ، وضياع الفرص ـ إلى غير ذلك مما يساء به الإنسان ، ويألم منه ، ويعده شرا مقيسا بمقياس ذاته. مضبوطا على تلقيات مشاعره له ، وإحساسه به .. وهذا كله غير منكور ، ومن حقّ الإنسان أن يلجأ إلى حمى ربه ، وأن يستعيذ به ، وأن يطلب منه اللطف والعافية ..والمستعيذ باللّه اللّاجئ إلى حماه ، عن إيمان وثيق ، وعن معرفة تامة ، بما للّه سبحانه وتعالى ، من علم ، وحكمة ، وقدرة ، وسلطان ـ يجد نفسه دائما في هذا الحمى العزيز الذي لا ينال ، وتحت ظل هذا السلطان القوى الذي لا يغلب ، وأن هذه الشرور التي استعاذ بربه منها ، قد انصرفت عنه جملة ، أو خفّت وطأتها ، وذلك حين يعيد النظر في هذه الشرور على ضوء هذه المشاعر الجديدة التي لقى بها ربه ، وفوض إليه فهيا أمره ـ فيرى كثيرا من هذه الشرور أوهاما وتخيلات ، كما يرى كثير منها أقرب إلى الخير منها إلى الشر ، ثم ما كان منها شرّا خالصا ـ في تقديره ـ يصبح في ظل التفويض للّه ، والتسليم لحكمه ، مستساغ الطعم ، خفيف الحمل ، لما يرى من حسن المثوبة عند اللّه ، على ما أصابه ، وصبر عليه ، محتسبا عند اللّه أجره .