فهرس الكتاب
قوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ » . في لآية السابقة كانت الاستعاذة باللّه ، استعاذة عامة من جميع الشرور التي ترد على الإنسان من المخلوقات كلها ..
وفى قوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ » ـ وما بعدها من الآيات إلى آخر السورة ، استعاذة من شرور بعض المخلوقات ، البادي شرها ..
فالليل حين يهجم على الكائنات ، ويحتوى الإنسان ، يثير فيه كثيرا من المخاوف ، التي تطل عليه من وراء هذا العالم المجهول ، المحجب بهذا الستار الكثيف من الظلام .. من عدوّ متربص ، أو حيوان مفترس ، أو حشرة سامة ، ونحو هذا ..
وفى الليل ، وفى وحشة الظلام ، والسكون ، والوحدة ـ تطرق الإنسان همومه ووساوسه ، وتتوارد عليه آلامه وأشجانه ، فيبيت مؤرقا يئن تحت وطأة هذه الهموم ، وتلك الوساوس .. ومن هنا كثرت مناجاة الناس لليل ، وشكايتهم له ، وبثهم إياه ما توارد عليهم فيه من هموم ، وما طرقهم من غائبات الذكريات الموجعة ..
يقول امرؤ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
ويقول النابغة الذبياني:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيب
فالليل ، هو الليل ، بوحشته ، وتوارد الهموم على صدور الناس فيه ، ولن يتغير هذا الوجه من الليل ، ولن يتحول إلى نهار بما أطلع الإنسان فيه من شموس وأقمار ، من مولدات الكهرباء .. إن لظلامه سلطانا ، يتسلل من هذه الثياب المصطنعة من النور ، إلى داخل الإنسان ، فيجتم على صدره ، وينسكب في مشاعره.
وقوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » .. النفث في العقد: هو السعى بين الناس بالوشاية والنميمة ، فتنحل بذلك عقد الإخاء ، والمودة بينهم ..
وأصل النفث في الشيء النفخ فيه .. ومنه يقال للحية نفثت سمومها أي ألقت بها من فمها في جسد الضحية التي وقعت لها ..
وهذه استعاذة باللّه من شر جزئى ، من شرور المخلوقات ، وهو الشر الذي الذي ينجم من مثيرى الفتن والفلاقل ، ومن مهيجى النفوس وإيقاد نار العداوة بين الناس ، فتنحلّ بذلك روابط الإخاء بينهم ، وتنفك عقد التواصل والتراحم بين المتواصلين والمتراحمين .. وإن أكثر ما يقع بين الناس من شر ، وما يقوم بينهم من صراع ، هو من حصاد هؤلاء النفاثين في العقد ، من الرجال والنفاثات فيها من النساء ، ابتغاء الفتنة ، وتمزيق الوحدة ، وتشتيت الشمل ..