فهرس الكتاب
وإذ كانت الكلمة هنا هى الأداة العاملة في هذا المجال ، في إيغار الصدور ، وإثارة النفوس ، وبلبلة المشاعر ، وتعكير صفو العواطف ، بالحديث الكاذب والقلة المفتراة ، والشائعة المضللة ـ فقد نصح اللّه سبحانه وتعالى لنا ، بالاستفادة من شر تلك الأفواه الآثمة التي تنفث سمومها في العقد الموثّقة بيننا وبين أهلنا ، وأصدقائنا ، أبناء مجتمعنا الذي نعيش فيه ..
والنصيحة هنا ذات شقين: أن نأخذ حذرنا من هؤلاء الساعين بالنميمة ، المتنقلين بين الناس بالفتنة ، فنحذرهم كما نحذر الحيات والأفاعى ، ونعوذ باللّه من شرهم ، ونستعين به سبحانه على ردّ كيدهم ، ودفع أذاهم ، واللّه سبحانه وتعالى يقول: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ » (6: الحجرات) .. ومن جهة أخرى ، نحذر من أنفسنا أن توردنا هذا المورد ، وأن تدفع بنا إلى هذا الطريق الذي يلبسنا ثوب الشر الذي يستعاذ باللّه منه ..
وفى الاستعاذة باللّه من النفاثات ، استعاذة ضمنية أيضا من النفاثين ، إذ كانت النساء في هذا المجال أكثر من الرجال عددا ، وأثرا ، وإذ كان غالبا وراء كل رجل يثير فتنة ، امرأة تغريه بها ، وتدفع به إليها ، وحسبنا أن نذكر هنا امرأة أبى لهب حمالة الحطب ، والعهد بها قريب ..
وقيل النفاثات: النفوس الخبيثة ، والأرواح الفاسدة. سواء تعلقت بالرجال أو بالنساء ..
هذا ، وفى هذا التعبير عن إفساد ما بين الناس من روابط ، بكلمة « النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » ـ إعجاز من إعجاز النظم القرآنى ..
والذي يتأمل هذا اللفظ المعجز يجد:
أولا: أن كلمة النّفث تشير إلى هذا الشبه بين فم هذا الذي يسعى بين الناس بالكلمة الآثمة الفاجرة ، وبين الحية التي تنفث سمومها فتصيب بها من الناس مقتلا ..
وثانيا: أن هذا النفث المنطلق من فم هذا الإنسان ، يصدر عن صدر ملىء بالعداوة والبغضاء للناس جميعا .. أشبه بتلك العداوة المتوارثة بين الحية والناس.
وثالثا: أن كلمة « العقد » وهى الروابط القائمة بين الناس ، هى حياة لهم أشبه بتلك الحياة السارية في أبدانهم ، وأن حلها يفسد هذه الحياة ، كما يفسد حياتهم نفث الأفاعى فيهم ..
ورابعا: ان النفث في العقد المادية ، من حبال ونحوها ، من شأنه أن يلين من صلابتها ، وأن يعين على حلها ، وكذلك الشأن في العقد المعنوية ، من روابط الأخوة والمودة بين الناس ، فإن النفث فيها بالنميمة موهن لها ، وممهد لحلّها .. وقوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ » والحسد ، في الأعمّ الأغلب هو الدافع إلى كل عداوة ، الموقد لكل فتنة ، المغرى بالكذب والافتراء على الناس ، لحلّ عقد الوئام والوفاق بينهم ، ولنزع هذه البسمة التي تعلو الشفاه بين المتحابّين ، ولإطفاء إشراقة البشاشة والرضا التي تفيض من وجوه أهل النعمة والرضا ..