الصفحة 1216 من 1282

فالحسد ـ وهو ما يجده الحاسد في قلبه ضيق وحسرة ، حين يرى في يد أحد خيرا ليس في يده ، ثم لا يهدأ له بال ، ولا تستريح له نفس ، حتى يغرب وجه هذا الخير ـ هو داء يغتال كل معانى الإنسانية في الإنسان ، فيصبح عداوة متحركة في الناس ، ترميهم برجوم من العداوة والبغضاء ، وتنفث فيهم سموم الحقد والضغينة ، حتى يميت أو يموت.

كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله ..

والحسد ـ وليس غيره ـ هو الذي أغرى أهل الكتاب ـ وخاصة اليهود ـ بهذا الموقف الضال الآثم ، من رسالة رسول اللّه ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ وكتمانهم الحق عن علم بأنه رسول اللّه ، وأنه الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، كما يقول سبحانه وتعالى فيهم: « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » (71: آل عمران) ويقول سبحانه وتعالى عنهم: « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » (146: البقرة) ويقول جل شأنه فيهم أيضا: « وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا ، حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ » (109: البقرة) .

وفى نار الحسد التي تأججت في صدور اليهود ، ذابت كلّ معالم الحق الذي كان معهم من أمر النبي ، فكفروا به ، واتخذوا طريق الضلال مركبا إلى عذاب الجحيم ..

والحسد ـ وليس غيره ـ هو الذي أغرق مشركى قريش في الضلال ، وأغراهم بهذا الموقف اللئيم الآئم الذي وقفوه من النبي ، حتى كان عمه أبو لهب هو وامرأته من أشدّ الناس حسدا له ، وتصديا لدعوته ، وتشنيعا عليه ، وكان من مقولات المشركين ما ذكره اللّه عنهم من قولهم: « أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا » ؟ (25: القمر) .. « لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ » (31: الزخرف) « أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ ؟ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ » (24: القمر) وقوله تعالى: « إِذا حَسَدَ » ـ هو قيد للاستعاذة باللّه من الشر الذي ينقدح من صدر الحاسد ، فتشتعل ناره ، وتعلق بمن حسده ..

أما الحسد الساكن ، الذي لم ينضبح بعد ، ولم يتحرك من صدر صاحبه ، ولم يبلغ من القوة بحيث يأخذ صورة عملية ، أبعد من دائرة الخواطر والمشاعر ـ أما هذا الحسد ، فهو طبيعة غالبة في الناس ، قلّ أن يسلم منه قلب ، أو تخلو منه نفس .. فما أكثر ما يمد الإنسان بصره إلى ما عند الناس ، مما ليس في يده ، من مال ، أو علم ، أو صحة ، أو شباب ، أو جمال ، أو بنين ، أو نحو هذا ، مما ترغب فيه النفوس ، وتتداعى عليه الآمال ، وما أكثر ما تتولد مشاعر الحسد من المحروم إلى حيث مواطن هذه المحبّبات إلى النفوس ، ثم يجد من دينه ، أو عقله ، أو مروءته ما يردّه عن موقف الحسد ، ثم لا تلبث هذه المشاعر أن تزول وتختفى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت