الصفحة 1217 من 1282

فهذا الحسد الذي لا يجد من صاحبه قلبا مفتوحا له ، أو نفسا راضية عنه ، هو حسد قد تولى صاحبه دفعه عن الناس ، وأطفأ ناره قبل أن تمتد إلى أحد ، ومن هنا لم يكن وراءه شر يستعاذ به منه ..

هذا ، وقد تكرر لفظ « شر » أربع مرات ، مضافا في كل مرة إلى جهة خاصة غير الجهات الثلاث ، وذلك لأن الشر الناجم من كل جهة منها مختلف عن غيرها ..

[النبي - صلى الله عليه وسلم - .. وحديث السحر]

هذا ما يفهم من منطوق آيات اللّه في قوله تعالى: « وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ » .. وهو فهم يتفق مع سياق السورة ، ومع سورة الإخلاص التي سبقتها ، وسورة الناس التي جاءت بعدها ، والتي كان من ثلاثتها خاتمة كتاب اللّه على ترتيبه في المصحف ، الذي رتبت سورة بتوقيف من اللّه تعالى ، على ما وقع في يقيننا.

ولكن بعض المفسرين قد ذهب في فهم هاتين الآيتين فهما آخر ، إذ زعم أن سورتى الفلق ، والناس نزلتا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليسترقى بهما من السحر الذي أصابه ، والذي كان قد صنعه به رجل يهودى ، يدعى لبيد بن الأعصم .. وقد استند هؤلاء المفسرون في هذا على ما جاء في صحيحى البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث ، من حديث هذا السحر الذي يقال إنه أصاب رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه.

روى البخاري ، عن هشام بن عروة بن الزبير ، عن أبيه. ، عن عائشة ـ رضى اللّه عنها ـ قالت: « سحر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، رجل من بنى زريق ، يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول اللّه ، - صلى الله عليه وسلم - ، يخيّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله .. حتى إذا كان ذات يوم ، أو ذات ليلة ، وهو عندى ، دعا اللّه ، ودعاه ، ثم قال: يا عائشة .. أشعرت أن اللّه أفتانى فيما أستفتيه فيه ؟

أتانى رجلان ، فجلس أحدهما عند رأسى ، والآخر عند رجلى ، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل ؟ فقال: مطبوب! قال من طبّه ؟ قال لبيد بن الأعصم اليهودي ، من بنى زريق! قال في أي شى ء ؟ قال في مشط ومشاطة ، وجفّ طلع تخلة ذكر! قال: فأين هو ؟ قال في بئر ذروان! .. فأتاها رسول اللّه صلى اللّه عليه في ناس من أصحابه ، فنظر إليها ، وعليها نخل ، ثم رجع إلى عائشة ، فقال: واللّه لكأن ماءها نقاعة الحنّاء ، وكأنّ رءوس ، نخلها الشياطين » قلت يا رسول اللّه أفأخرجته ؟ قال: لا .. أما أنا فقد عافانى اللّه وشفانى ، وخشيت أن أثير على الناس منه شرا .. فأمر بها ـ أي البئر ـ فدفنت ».

أي ردمت هذا حديث يرويه البخاري عن السيدة عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت