الصفحة 1219 من 1282

أعصم-ثم دسها في بئر لبني زُرَيق، ويقال لها: ذَرْوان، فمرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه. فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعَد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَ. قال: وما طُبَ؟ قال: سحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبَه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُفَ طلعة تحت راعوفة في بئر ذَرْوَان -والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح -فانتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مذعورًا، وقال:"يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟". ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه، وإذا فيه وتر معقود، فيه اثنتا عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خفة حين انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشطَ من عقال، وجعل جبريل، عليه السلام، يقول: باسم الله أرْقِيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًا". [1]

والذي ينظر في هذه الأحاديث ، وتلك الأخبار يتردّد كثيرا في قبولها ، أو الوقوف عندها ، إذ كانت تضع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في الموضع الذي يجور على كماله ، وينتقص من عصمته ..

وقد كان ذلك مثار بحث وخلاف بين العلماء ، فردّ كثير منهم هذه الأحاديث وأبى أن يقبلها ، جاعلا عصمة النبىّ فوق كل اعتبار ، رافعا مقام النبوّة فوق كلّ مقام .. على حين نجد كثيرا من العلماء ، قد انبرى للدفاع عن كتب السنة الصحاح ، وما ورد فيها من أحاديث ، محاولا سدّ باب الطعن فيها ، بتخريج مثل هذه الأحاديث على وجه يمكن قبولها عليه ، ولو ركب في هذا مركب التعسّف في التأويل والتخريج .. والانتصار للسنّة ، ولكتب الصحاح الحاملة لها ، أمر يحرص عليه كلّ مسلم ، ويلتقى عنده المسلمون جميعا بلا خلاف .. ولكن حين يكون الموقف كهذا الذي نحن بين يديه ، تختلف وجهات النظر ، ويكون في المسلمين من يؤثر الجمع بين قبول الحديث وبين الجهة التي يتعلق بها هذا الحديث ، محاولا تعليل ذلك وتبريره ، على حين يكون في المسلمين من يؤثر مقام النبوّة وتنزيهها عن عوارض النقص ، على كل خبر يساق ، أو حديث يروى . وممن ردّ حديث السّحر ، والأخبار المتصلة ، به من المفسّرين ، الإمام الطبرسي ، فنراه يقول تعقيبا على هذا الحديث المروىّ عن السيدة عائشة ـ رضى اللّه عنها ـ

(1) - الكشف والبيان ـ موافق للمطبوع - (10 / 338) وتفسير ابن كثير - (8 / 538)

هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت