صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ». خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ."سنن الترمذى [1] ."
ثم أوعد اللَّه تعالى المكذبين بالقرآن الكائدين للمؤمنين بقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ، وَأَكِيدُ كَيْدًا أي إن الكفار زعماء مكة وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي - صلى الله عليه وسلم - لإبطال ما جاء به من الدين الحق ، وللصد عن سبيل اللَّه وعن القرآن ، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين ، وبأن محمدا ساحر أو مجنون أو شاعر ، ويتآمرون على قتله ، كما أخبر تعالى بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال 8/ 30] .
ولكني أدبر لهم تدبيرا آخر ، فأستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وأجازيهم جزاء كيدهم. وقد سمى جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدة العذاب كيدا.
ثم وعد رسوله بالنصر عليهم ، وأمره بالصبر والتمهل ، فقال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا أي أخّرهم وأنظرهم ، ولا تدع بهلاكهم ، ولا تستعجل به ، وارض بما يدبره اللَّه لك في أمورهم.
ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ، فقال: أمهلهم إمهالا يسيرا قليلا ، أو قريبا ، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال ، والعقوبة والهلاك ، كما قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [لقمان 31/ 24] .
وهذا وعيد شديد ، تحقق يوم بدر ، ويعقبه عذاب يوم القيامة ، وفيه تحذير عن مثل سيرتهم ، وترغيب في خلاف طريقتهم.
ومضات:
في هذه الآيات قسم آخر بتوكيد صحة ما يسمعه الناس من نذر قرآنية وجدّها وبعدها عن الهزل والعبث وإشارة إلى مواقف الكيد والمناوأة التي يقفها الكفار من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتعطيل والأذى والإعراض ، وتوكيد بأن اللّه عزّ وجلّ سيقابلهم على كيدهم بكيد أيضا وأمر للنبي عليه السلام بأن يتوعدهم وينذرهم وينتظر قليلا فلن يلبث أن يرى هو ويروا هم تحقيق الوعد ومصداق الإنذار.
والمتبادر أن القصد من كيد اللّه هو انتقامه وعذابه. وأن استعمال الكلمة هو من قبيل مقابلة الشيء بمثله. وهو استعمال أسلوبي مألوف. وقد تكرر في القرآن.
وفي الآيات إشارة إلى مواقف الكفار الكيدية بوجه عام وإنذار لهم وتطمين للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتثبيت له. وهي غير منفصلة عن الشطر الأول من السورة حيث يبدو بينهما ترابط وانسجام.
(1) - سنن الترمذى (3153 ) حسن لغيره -يخلق: يبلى