الصفحة 455 من 1282

يقسم الله بهذين الكائنين وهذين الحدثين: السماء ذات الرجع . والأرض ذات الصدع . . حيث يوقع مشهدهما وإيحاؤهما ، كما يوحي جرس التعبير ذاته ، بالشدة والنفاذ والجزم . . يقسم بأن هذا القول الذي يقرر الرجعة والابتلاء أو بأن هذا القرآن عامة هو القول الفصل الذي لا يتلبس به الهزل . القول الفصل الذي ينهي كل قول وكل جدل وكل شك وكل ريب .

القول الذي ليس بعده قول . تشهد بهذا السماء ذات الرجع ، والأرض ذات الصدع!

وفي ظل هذا القول الفصل بالرجعة والابتلاء يتجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ومن معه من القلة المؤمنة في مكة يعانون من كيد المشركين ومؤامراتهم على الدعوة والمؤمنين بها وقد كانوا في هم مقعد مقيم للكيد لها والتدبير ضدها وأخذ الطرق عليها وابتكار الوسائل في حربها يتجه الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتثبيت والتطمين وبالتهوين من أمر الكيد والكائدين . وأنه إلى حين . وأن المعركة بيده هو سبحانه وقيادته . فليصبر الرسول وليطمئن هو والمؤمنون: { إنهم يكيدون كيدًا ، وأكيد كيدًا ، فمهل الكافرين ، أمهلهم رويدًا } . .

إنهم هؤلاء الذين خلقوا من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب بلا حول ولا قوة ولا قدرة ولا إرادة ، ولا معرفة ولا هداية . والذين تولتهم يد القدرة في رحلتهم الطويلة . والذين هم صائرون إلى رجعة تبلى فيها السرائر ، حيث لا قوة لهم ولا ناصر . . إنهم هؤلاء يكيدون كيدًا . .

وأنا أنا المنشئ . . الهادي . الحافظ . الموجه . المعيد . المبتلي . القادر . القاهر . خالق السماء والطارق . وخالق الماء الدافق ، والإنسان الناطق ، وخالق السماء ذات الرجع ، والأرض ذات الصدع . . أنا الله . . أكيد كيدًا . .

فهذا كيد . وهذا كيد . وهذه هي المعركة . . ذات طرف واحد في الحقيقة . . وإن صورت ذات طرفين لمجرد السخرية والهزاء!

{ فمهل الكافرين } . . { أمهلهم رويدًا } . . لا تعجل . ولا تستبطئ نهاية المعركة . وقد رأيت طبيعتها وحقيقتها . . فإنما الحكمة وراء الإمهال . الإمهال قليلًا . . وهو قليل حتى لو استغرق عمر الحياة الدنيا . فما هو عمر الحياة الدنيا إلى جانب تلك الآباد المجهولة المدى؟

ونلحظ في التعبير الإيناس الإلهي للرسول: { فمهل الكافرين أمهلهم رويدًا } . . كأنه هو - صلى الله عليه وسلم - صاحب الأمر ، وصاحب الإذن ، وكأنه هو الذي يأذن بإمهالهم . أو يوافق على إمهالهم . وليس من هذا كله شيء للرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الإيناس والود في هذا الموضع الذي تنسم نسائم الرحمة على قلبه - صلى الله عليه وسلم - الإيناس الذي يخلط بين رغبة نفسه وإرادة ربه . ويشركه في الأمر كأن له فيه شيئًا . ويرفع الفوارق والحواجز بينه وبين الساحة الإلهية التي يقضي فيها الأمر ويبرم . . وكأنما يقول له ربه: إنك مأذون فيهم . ولكن أمهلهم . أمهلهم رويدًا . . فهو الود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت