فهرس الكتاب
11 ... وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ... اذكر ما أنعم الله به عليك فهو شكر لله تعالى
المعنى الإجمالي:
أجمع الرواة على أن سبب نزول هذه السورة حدوث فترة في نزول الوحى على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأنه حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا مرارا إلى الجبال ليتردّى من شواهقها ، وأنه ما كان يمنعه إلا تمثل الملك له وإخباره إياه أنه رسول اللّه حقّا.
وإنما حزن لهذه الفترة خيفة أن يكون ذلك من غضب أو قلى من ربه له ، بعد أن ذاق حلاوة الاتصال به ، وشاهد من جمال الأنس بالوحى ما يثير لواعج شوقه إلى التزوّد منه ، وقد كان يعلم أنه بشر ، لا فضل له على غيره إلا بهذا القرب الذي يعلو به على من عداه ، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - شديد الحرص على تكميل نفسه وإعدادها لتحمل ما هى بسبيله من أعباء الرسالة.
لا جرم يكون حزنه لهذه الفترة شديدا ، وأن يتوجس منه خيفة ، ولا عجب أن يدعوه ذلك إلى التفكير فيما كان يفكر فيه ، وأن يهمّ بتنفيذه.
ومن ثم نزلت هذه السورة حاملة له أجمل البشرى ، ملقية في نفسه الطمأنينة ، معدّدة ما أنعم اللّه به عليه ، وكأنه تعالى يقول لرسوله: إن من أنعم عليك بكذا وكذا لم يكن ليتركك ولا ينساك بعد أن هيأك لحمل أمانته ، وأعدّك للاضطلاع بأعباء رسالته ، فلا تحزن على ما كان من فترة الوحى عنك ، ولا يكن في صدرك حرج منها ، فما ذلك إلا لتثبيت قلبك ، وتقوية نفسك على احتمال مشاقّها. [1]
وبعد أن ذكر رضاه عن رسوله ، ووعده له أن يمنحه من المراتب والدرجات ما يرضيه ، ويثلج قلبه - أردف ذلك بيان أن هذا ليس عجبا منه جل شأنه ، فقد أنعم عليه بالنعم الجليلة قبل أن يصير رسولا فكيف يتركه بعد أن أعده لرسالته ،ثم نهاه عن أمرين: قهر اليتيم وزجر السائل ، لما لهما من أكبر الأثر في التعاطف والتعاون في المجتمع ، ولما فيهما من الشفقة بالضعفاء وذوى الحاجة ، ثم أمره بشكره على نعمه المتظاهرة عليه باستعمال كل منها في موضعها وأداء حقها. [2]
أقسم الحق - تبارك وتعالى - بالضحى ساعة ارتفاع الشمس أو النهار ، وساعة امتلاء الكون بالحياة والضوء والحرارة ، وأقسم بالليل إذا سكن وهدأ كل ما فيه بعد حركة واضطراب. أقسم بهذا وذاك على أنه ما تركك يا محمد وما كرهك ، وكيف ذلك وأنت الحبيب المختار والرسول الأمين ، وخاتم الأنبياء والمرسلين.
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (30 / 182)
(2) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (30 / 185)