الصفحة 694 من 1282

ولقد اتصل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الأمين جبريل حينما بعث ، وهذا الاتصال لأنه بين ملك وبشر كان شديدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ لهذا فتر الوحى وانقطع لتطمئن نفس الرسول ويتجدد عزمه ، وتقوى نفسه على ملاقاة جبريل ، فيبحث عنه ويطلبه ، فكانت فترة الوحى تأديبا وتطمينا وإصلاحا.

ولقد تاقت نفسه الشريفة إلى ملاقاة ربه عن طريق جبريل واشتاق إلى ذلك. ومع الشوق قلق وخوف. فأراد الحق أن يطمئن الرسول على ما يطلب بذكر ما صنعه معه.

وتبشيره بمستقبل زاهر ، وأن هذه الفترة لم تكن عن ترك ولا بغض وأقسم له على ذلك.

ولعلك تسأل عن العلاقة بين القسم بالضحى والليل وبين المقسم عليه ؟ والجواب أن الوحى وانقطاعه للاستجمام والتقوية والاطمئنان كان أشبه بالضحى وما فيه من حركة وحياة ثم ما يعقبه من ليل يسكن فيه الكون ليستجم ويستعد لكفاح وحياة أخرى سعيدة.

والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما تركك عن غضب عليك. واعلم أن الآخرة - أى: الأيام المستقبلة الآتية - خير بلا شك من أيامك هذه ، فثق أن دعوتك وحياتك تنتقل من طور إلى طور أحسن ، وإن يكن في ذلك نوع من التعب والمشقة ، ولسوف يعطيك ربك من توارد الوحى الذي تطلبه لإرشاد قومك ، وهداية العالم ما به ترضى وتطمئن ، ولا عجب في ذلك ولا غرابة ، ألم يجدك يتيما فآواك وأيدك ورعاك ، وقد ولد النبي يتيما إذ مات أبوه وهو في بطن أمه ، فلما ولد عطف اللّه قلب جده عليه فرعاه وحنا عليه حنوا كثيرا ، ثم لما مات جده عبد المطلب كفله عمه أبو طالب بأمر من جده ، وكان شديد الحرص عليه كثير العطف والحماية له.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا روح قوية نقية طاهرة فكان يرى أن قومه على ضلال ، وأن الأديان المحيطة بهم كاليهودية ، فأصابته حيرة من أمره ، وفر من هذا المجتمع ، وحبب إليه الخلاء والمكث في الغار حتى أنقذه اللّه من حيرته ، وهداه إلى أسمى شريعة وأعظم دين: وهذه الحيرة التي كان فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي التي عبر عنها القرآن بالضلال ، وإلا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نشأ طاهرا مطهرا لم يدنس نفسه بالسجود إلى صنم ، ولم يقترف فاحشة أبدا ، بل ذهب مرة ليستمع إلى حفل فيه غناء فنام حتى أيقظته الشمس ، وهو الملقب بالأمين ، وقد كان فقيرا - لم يرث عن أبيه إلا ناقة وجارية - فأغناه اللّه بالقناعة ، وجعله عزوفا عن الدنيا ، وأدر عليه بعض المال من تجارته في مال خديجة ، إذا كان الأمر كذلك وقد غمرك اللّه بفضله يا محمد ، فأما اليتيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت