فهرس الكتاب
وبشره بعطاء جزيل فقال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أي ولسوف يمنحك ربك عطاء جزيلا ونعمة كبيرة في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فهو الفتح في الدين ، وأما في الآخرة فهو الثواب والحوض والشفاعة لأمتك ، فترضى به. وهذا دليل على تحقيق العلو والسمو في الدارين ، فيعلو دينه على كل الأديان ، ويرتفع قدره على جميع الأنبياء والناس بالشفاعة العظمى يوم العرض الأكبر يوم القيامة. وإنما أتى بحرف التوكيد والتأخير ، ليفيد بأن العطاء كائن لا محالة ، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة.
ثم عدد اللَّه تعالى نعمه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قبل إرساله ، وكأنه قال: ما تركناك وما قليناك قبل أن اخترناك واصطفيناك ، فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك ونخذلك ، فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى أي ألم يجدك ربك يتيما لا أب لك ، فجعل لك مأوى تأوي إليه ، وهو بيت جدك عبد المطلب وعمك أبي طالب ، فإنه فقد أباه وهو في بطن أمه ، أو بعد ولادته ، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب ، وله من العمر ست سنين ، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب ، إلى أن توفي ، وله من العمر ثمان سنين ، فكفله عمه أبو طالب ، ثم لم يزل يحوطه وينصره بعد أن ابتعثه اللَّه على رأس أربعين سنة.
ووجدك غافلا عن أحكام الشرائع حائرا في معرفة أصح العقائد ، فهداك لذلك ، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ، ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا الآية [الشورى 42/ 52] .
ووجدك فقيرا ذا عيال لا مال لك ، فأغناك بربح التجارة في مال خديجة ، وبما منحك اللَّه من البركة والقناعة ، أخرج الشيخان عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ » [1] . .
وعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"قَالَ جِبْرِيلُ - صلى الله عليه وسلم -: يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مَفَارِقُهُ ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ لَاقِيهِ" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ « الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِىَ الْمُنْفِقَةُ ، وَالسُّفْلَى هِىَ السَّائِلَةُ » . [3]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ » . [4] .
(1) - صحيح البخارى (6446 ) وصحيح مسلم (2467 ) - العَرض: متاع الدنيا وحطامها
(2) - مُسْنَدُ الطَّيَالِسِيِّ (1853 ) حسن
(3) - صحيح البخارى - (1429 )
(4) - صحيح مسلم (2473 )