فهرس الكتاب
قال الإمام: من عادة البخلاء أن يكتموا مالهم ، لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل ، فلا تجدهم إلا شاكين من القل . أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه . فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين . فهذا من قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } أي: إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير ، فأوسع في البذل على الفقراء . وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة ، فإن هذا من الفجفجة التي يتنزه عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض ، ولكن الذي عرف منه أنه كان < ينفق ما عنده ويبيت طاويًا > . وقد يقال: أن المراد من النعمة النبوة ، ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله: { وَوَجَدَكَ عَائِلًا } فتكون النعمة بمعنى الغنى ، ولو كانت بمعنى النبوة ، لكانت مقابلة لقوله: { وَوَجَدَكَ ضَالًّا } وقد علمت الحق في مقابله . والله أعلم . [1]
قوله تعالى: «وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » الضحى ، أول النهار وشبابه ، حيث تعلو الشمس على أفقها الشرقي ، فتبسط ضوءها على الوجود ..
« وَاللَّيْلِ إِذا سَجى » .. سجا الليل ، يسجو ، سجوّا ، وسجوّا ، أي سكن ، وهدأ ، حيث تسكن فيه حركة الحياة ، كما يسكن موج البحر ، وينطوى صخبه وهديره ، وهذا يعنى الدخول في الليل إلى حدّ استوائه ، كالدخول في النهار إلى وقت الضحى ، حيث يسفر وجه النهار على تمامه وكماله ..
قيل إن هذه السورة نزلت بعد فترة انقطع فيها الوحى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى لقد اتخذ المشركون من ذلك مادة للسخرية من النبي ، وأن ربّه ـ الذي يقول إنه يوحى إليه بما يحدثهم به ـ قد قلاه ، أي هجره ، كرها له وبغضا!!
وفى القسم بالضحى ، إشارة إلى مطلع شمس النبوة ، وأن مطلعها لا يمكن أن يقف عند حد الضحى الذي بلغته في مسيرتها ، بل لا بد أن تبلغ مداها ، وأن تتم دورتها .. فالشمس في مسيرتها ، لا يمسكها شىء إذا طلعت.
وفى القسم بالليل بعد الضحى ، وإلى سجوّ هذا الليل وسكونه ـ إشارة أخرى إلى أن فترة انقطاع الوحى ، ليست إلا فترة هدوء ، واستجمام يجمع فيها النبي نفسه ، ويلمّ فيها خواطره ، بعد هذا النور الغامر الذي بهره ، وهز أعماق نفسه .. وإن بعد هذا الليل الهادئ الوادع نهارا ، مشرقا وضيئا .. فهكذا يجرى نظام السكون ، على ما أقامه الصانع الحكيم.
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 245)