الصفحة 701 من 1282

يقول الأستاذ الإمام محمد عبده: « وليس في نسق السورة ما يشير إلى أن المشركين أو غير هم بغرض من الخطاب .. ومن أين كان للمشركين أن يعلموا فترة الوحى ، فيقولوا أو يطعنوا ، ولكن ذلك كان شوق النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - إلى مثل ما رأى وما فهم عن اللّه ، وما ذاق من حلاوة الاتصال بوحيه .. وكل شوق يصحبه قلق ، وكل قلق يشوبه خوف » ..

وهذا ما نقول به ، ونرضى عنه .. وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل ، لم لا يداوم الاتصال به ويكثر من الوحى إليه ، فنزل قوله تعالى: « وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ .. » (64: مريم) وقوله تعالى: « ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » هو المقسم عليه ، وهو أن اللّه سبحانه لم يودع النبي ، وداعا لا لقاء بعده ، بل إن اللّه معه ، في كل لحظة من لحظات حياته ، ومع كل نفس من أنفاس صدره.

وأن انقطاع الوحى في تلك الفترة لم يكن عن قلى وهجر من اللّه سبحانه وتعالى له ، فهو الحبيب إلى ربه ، المجتبى إليه من خلقه ..

وفى توكيد الخبر بالقسم ، مزيد من فضل اللّه ورحمته ، للنبى الكريم ، ورفع لمنزلة النبىّ عند ربّه ، حتى لينزل منزلة الحبيب من حبيبه.

وقوله تعالى: . « وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى » الآخرة ، خاتمة أمر النبي مع النبوة ، والأولى ، مبدأ أمره معها ..

أي أن آخرة أمر النبي مع رسالته ، خير من أولها .. فإذا بدأت رسالته بهذا العناء المتصل ، الذي واجهه من عناد قومه ، ومن تأتيهم عليه ، وتكذيبهم له ، وملا حقته هو والمؤمنون معه بالأذى ، والضر ، وبالحرب والقتال ـ فإن خاتمة هذه الرسالة ستكون نصرا مؤزّرا له ، وفتحا عظيما الدعوة ، وخزيا وإذ لا لا للضالين المعاندين .. قوله تعالى: « وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » أي ولسوف يلقاك ربك بالعطايا والمنن ، حتى تقر عينك ، وينشرح صدرك ، وذلك بما ينزل عليك من آيات ربك ، وبما يحقق لدعوتك من نصر وتمكين.

وقوله تعالى: « أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى » هذا من بعض ما أعطى اللّه النبي ، فيما مضى ، ولسوف يعطيه أكثر وأكثر فيما يستقبل من الحياة ..

فإذا نظر النبي إلى نفسه ، من مولده إلى يومه هذا الذي لقيته فيه تلك الآيات ـ وجد أنه ولد يتيما ، فكفله اللّه ، وأنزله من جده عبد المطلب ، وعمه أبى طالب ، منزلة أعز الأبناء وأحبهم إلى آبائهم .. ثم إذا نظر مرة ثانية إلى شبابه ، وجد أنه كان قلق النفس ، منزعج الضمير ، مما كان يرى من الحياة الضالة التي يعيش فيها قومه ، ولم يكن يدرى كيف يجد لنفسه سكنا ، ولقلبه اطمئنانا وسط هذا الجوّ الخانق ، فهداه اللّه إلى الخلوة إلى نفسه في غار حراء ، والابتعاد عن قومه ، والانقطاع إلى ربه متحنّثا متعبدا ، متأملا متفكرا .. وقد ظل هذا شأنه إلى أن جاءه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت