الصفحة 702 من 1282

وحي السماء ، فسكب السكينة في قلبه ، والطمأنينة في نفسه .. إنه صلوات اللّه وسلامه عليه ، كان يرى أن ما عليه قومه ليس مما يدين به عاقل ، أو تستقيم به حياة العقلاء ، ولم يكن يدرى ـ صلوات اللّه وسلامه عليه يغير من مسيرتهم الضالة ، ولا كيف يقيم هو نفسه هو على شريعة يبشّر بها في الناس ، كما يقول سبحانه: « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ .. » (52: الشورى) ثم إذا أعاد النبي النظر إلى نفسه مرة ثالثة ، وجد أنه كان فقيرا عائلا ، أي كثير العيال ، فأغناه اللّه ، وسدّ حاجة عياله ، من مال زوجه ، وأم أبنائه ، السيدة خديجة رضى اللّه عنها .. وفى هذا ما يشير إلى فضل السيدة خديجة ، وإلى أنها نعمة من نعم اللّه على النبي .. هذا كله يراه النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ من نفسه ، ماضيا ، وحاضرا ..

قوله تعالى: « فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ » ..هو تعقيب على هذا الإحسان الذي أفاضه اللّه وما سيفيضه على نبيه ، وأن من حق هذا الإحسان أن يقابل بالحمد والشكران للّه رب العالمين .. وقد صرف اللّه سبحانه وتعالى هذا الحمد ، وذلك الشكران إلى الضعفاء ، والمحتاجين من عباده ، فيكون حمده وشكره ، بالإحسان إليهم ، والرعاية لهم .. فلا نهر لليتيم ، ولا كسر لخاطره ، ولا ترك لمرارة اليتم تنعقد في فمه .. وإن أولى الناس برعاية اليتيم ، وجبر خاطره ، من عرف اليتم ، ثم كفله اللّه .. وإنه لا نهر أي لا زجر للسائل ، وهو من يقف موقف من يسأل ، عما هو محتاج إليه ، من طعام يسد به جوعه ، أو علم يغذى به عقله ، أو هدى يعرف به طريق الخلاص لروحه ..

فإن السائل ضعيف أمام المسئول ، ومن حقه على القوى أن يتلطف معه ،ويرفق به .. إنه أشبه بالضالّ الذي لا يعرف الطريق ، والمسئول هو موضع أمله ، ومعقد رجائه ، في أن يخرجه من هذا الضلال ، وأن يقيمه على الطريق المستقيم ..

وأولى الناس بهذا من عرف الحيرة ، ونشد وجه الهداية ، فأصابها وقدرها قدرها ..

وقوله تعالى: « وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ » .نعمة اللّه هنا ، هو القرآن الكريم ، وهو من أجلّ وأعظم ما أنعم اللّه به على النبي ، وهو نعمة عامة شاملة ، وإنه لمطلوب من النبي أن ينفق منها على الناس ، وأن يسعهم جميعا فيها ..

فهى نعمة سابغة ، لا تنفد على الإنفاق. فليحدّث النبي الناس بها ، وليكثر من هذا التحديث بها ، والإنفاق منها: « فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى » (9: الأعلى) .. « فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ » (45: ق) .. « فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ » (21: الغاشية) .. فهذا التحديث بالقرآن ، هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت