الصفحة 703 من 1282

التذكير به ، وفى التذكير به هدى ورحمة للناس ، حيث يجدون في آياته شفاء الصدور ، وجلاء البصائر ، وروح النفوس. [1]

جميع آيات السورة موجهة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم اللّه من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة.

ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبشيره بنجاح الدعوة ، وبأن مستقبلها سيكون خيرا من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء اللّه له حتى يرضى هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية.

ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله ، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر ، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة اللّه قولا وفعلا. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها ، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني.

ولقد روى المفسرون أن هذه السورة نزلت بعد فترة من نزول الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - والروايات متنوعة ومتعددة في ذلك. منها ما هو في مدة هذه الفترة حيث تتراوح حسب اختلاف الروايات بين يومين وبين ثلاث سنين. ومنها ما هو في أسبابها وأثرها حيث روي فيما روي أن السيدة خديجة أم المؤمنين رضي اللّه عنها قالت له حينما فتر عنه الوحي: ما أرى إلّا أن ربك قلاك ، وأن مثل هذا القول صدر عن امرأة أبي لهب في معرض السخرية والشماتة ، وأن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له ما أرى شيطانك إلّا تركك فإني لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ، وأن المشركين أو بعضهم قالوا لما عرفوا خبر الفترة إن محمدا قد ودّع وأن السورة لم تلبث أن نزلت بعد هذه الأقوال ، وحيث روي أن اليهود سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذي القرنين وأهل الكهف والروح فقال لهم: سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء اللّه ففتر الوحي عنه ، فلما جاءه بعد الفتور بهذه السورة قال له يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال: إني كنت أشد شوقا إليك ولكني عبد مأمور ، وحيث روي أنه كان للحسن أو الحسين في بيته جرو فلما نزل الوحي بالسورة

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1599)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت