فهرس الكتاب
أخبر اللَّه تعالى عن حالات قبيحة جدا من أحوال الطغاة وهي:
1-أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ، عَبْدًا إِذا صَلَّى ؟ أي أخبرني عن حال هذا الطاغية المغرور وهو أبو جهل وأمثاله ، كيف يجرأ على أن ينهى عبدا هو محمد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه عن أداء الصلاة والعبادة للَّه رب العالمين ، ويريد طاعته في عبادة الأوثان ، وترك عبادة الخالق الرزاق ؟ وتنكير كلمة عَبْدًا يدل على كونه كاملا في العبودية. والمراد بالآية: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة ، وذلك مذموم عند العقلاء.
وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي ؟ فقال: يقول: ربنا لك الحمد ، ويسجد ، ولم يصرح بالنهي عن الدعاء [1] .
2-أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ؟ أي أخبرني أيضا عن حال هذا الطاغية الناهي ، إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة اللَّه تعالى ، أو هل هو آمر بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان ، كما يعتقد ؟
والأكثرون على أن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا ، ليكون الكلام على نسق واحد. وقيل: الخطاب للكافر ، والمعنى: أرأيت يا كافر إن كانت صلاة هذا العبد المنهي هدى ، ودعاؤه إلى الدين أمرا بالتقوى ، أتنهاه مع ذلك ؟
والتقوى: الإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقى به النار. ويتصور هذا كأن الظالم والمظلوم حضرا عند الحاكم ، أحدهما المدعي ، والآخر المدعى عليه ، ثم خاطب هذا مرة ، أي في الكلام الأول: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى وهذا مرة أي في الكلام الثاني: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ...
3-أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أي أخبرني يا محمد عن حال هذا الكافر أبي جهل إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة ، ومظاهر القدرة الباهرة ، وبما جاء به رسول اللَّه ، وأعرض عن الإيمان بدعوتك ؟ والجواب فيما دل عليه ما يأتي: ألم يعلم بعقله أن اللَّه يرى منه هذه الأعمال القبيحة ، وأنه سيجازيه ويحاسبه على جرائمه ؟
وهذا على رأي الأكثرين في أن الخطاب في أَرَأَيْتَ في المواضع الثلاثة للنبي - صلى الله عليه وسلم - . فإن كان الخطاب للكافر فالمراد بالآية الثالثة: إن كان محمد كاذبا أو متوليا عن الحق ، ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي ، فلا يحتاج إلى نهيك ؟
(1) تفسير الرازي: 32/ 21 ، غرائب القرآن: 30/ 136