الصفحة 801 من 1282

شىء ، ولو كان يعلم هذا علما مستيقنا لخاف ربه وخشى بأسه ، ولكن ضلاله أعمى قلبه ، وأظلم بصيرته ، فلم يرى جلال اللّه ، ولم يشهد عظمته ، ولم يخش بأسه! وقوله تعالى: « لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ » هو وعيد وتهديد لهذا الضال إن لم ينزع عن ضلاله ، ويرعو عن غيه ، ويثوب إلى رشده ، ويؤمن بربه ، ويستقم على الهدى ـ لنسفعن بناصيته ، أي لنجرنّه من رأسه جرّا إلى جهنم كما يقول سبحانه: « يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ » ..

وفى هذا امتهان أي امتهان ، وإذلال أي إذلال لهذا المتشامخ بأنفه ، المتطاول برأسه! وقوله تعالى: « ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ » أي هى رأس فارغة من كل خير ، حشوها الكذب والضلال ، ونبتها الخطيئة والإثم ، فكانت النار أولى بها ، حطبا ووقودا.

وقوله تعالى: « فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ » .أي ها نحن أولاء آخذون بناصية هذا العتلّ الأثيم إلى جهنم كما يؤخذ برأس الكبش من قرونه ، فليهتف بناديه أي أهل النادي الذي يأخذ مجلسه بينهم ، ويدير أحاديث الإثم والضلال عليهم .. أما نحن فسندعو الزبانية الذين يأخذون بناصيته إلى جهنم .. فهل من أصحابه من يخفّ له ، ويسعى إلى تخليصه من يد الزبانية ؟ هيهات هيهات .. لقد علقت أيديهم به ، ولن يفلت حتى يلقى به في جهنم ، مع جماعة السوء الذين انضوى إليهم ، واعتزّ بهم ..

وقوله تعالى: « كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ » ..هو رد على قوله تعالى: « أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى » أي لا تسمع لنهى هذا الغوى ، ولا تخش بأسه .. إنه مأخوذ بناصيته إلى جهنم بيد الزبانية .. وإذن فاسجد لربك واقترب منه بهذا السّجود .. كما يقول الرسول الكريم: « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » .

والزبانية ، جمع زبنيه ، أو زبنى .. وأصله من الزّبن ، وهو الدفع ..

يقال زبنه ، أي دفعه ليزيله عن موضعه .. وهم ملائكة العذاب الموكلون بأهل النار يدعّونهم إلى جهنم دعّا ..

قيل إن هذه الآيات نزلت في أبى جهل ، وقد كان يعترض النبىّ في الصلاة ، ويترصد له ، ويتهدده كلما ألمّ بالبيت الحرام .. وقد جاء في الخبر أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمد يصلى عند الكعبة لأطأن عنقه .. فجاءه من يقول له: إن محمدا يصلى في الكعبة ، فاتجه إليه يريد أن يفعل فعلته ، فما كاد يقارب النبىّ حتى رأى فحلا هائجا يريد أن ينقض عليه ، فولّى مذعورا مبهورا .. فلما رأى القوم منه ذلك ، سألوه ما به .. فقص عليهم ما رأى .. ولما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت