فهرس الكتاب
ذلك قال: « لو فعل لأخذته الملائكة » !! والخطاب مع هذا عام ، لكل من هو أهل للخطاب. [1]
قال الإمام: كلمة أرأيت صارت تستعمل في معنى أخبرني ، على أنها لا يقصد بها في مثل هذه الآية الاستخبار الحقيقيّ ، ولكن يقصد بها إنكار المستخبر عنها وتقبيحها . فكأنه يقول: ما أسخف عقل هذا الذي يطغى به الكبر فينهى عبدًا من عبيد الله عن صلاته ، خصوصًا وهو في حالة أدائها .وقوله: { أَرَأَيْتَ أن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى } أي: أرأيت إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله ، أو كان آمرًا بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان ، كما يعتقد ؟ وجواب الشرط محذوف دل عليه ما بعده ، أي: ألم يعلم بأن الله يرى . وعليه فالضمائر كلها لـ: { الَّذِي يَنْهَى } وجوز عود الضمير المستتر في { كَانَ } للعبد المصلي . وكذا في { أَمَرَ } أي: أرايت الذي ينهى عبدًا يصلي ؟ والمنهيّ على الهدى آمر بالتقوى . والنهي مكذب متول ، فما أعجب من هذا !
وذهب الإمام رحمه الله ، في تأويل الآية إلى معنى آخر ، وعبارته: أما قوله:
{ أَرَأَيْتَ أن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى } فمعناه أخبرني عن حاله إن كان ذلك الطاغي على الهدى وعلى صراط الحق ، أو أمر بالتقوى مكان نهيه عن الصلاة ، أفما كان ذلك خيرًا له وأفضل ؟
وقوله: { أَرَأَيْتَ أن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } أي: نبئني عن حاله إن كذب بما جاء به النبيون ، وتولى أي: أعرض عن العمل الطيب ، أفلا يخشى أن تحل به قارعة ويصيبه من عذاب الله ما لا قبل له باحتماله ؟ فجواب كل من الشرطين محذوف كما رأيت في تفسير المعنى وهو من الإيجاز المحمود ، بعد ما دل على المحذوف بقوله: { أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } أي: أجهِِل أن الله يطلع على أمره ؟ فإن كان تقيًا على الهدى أحسن جزاءه ، وإن كذب وتولى لم يفلت من عقوبته ، ثم إن ما يطيل به المفسرون في المفعول الثاني لفعل { أَرَأَيْتَ } الأولى ومفعوليها في الثانية والثالثة ، فهو مما لا معنى له ؟ لأن القرآن قدوة في التعبير ، وقد استعملها بمفعول واحد وبلا مفعول أصلًا بمعنى أخبرني . والجملة المستخبر عن مضمونها ، تسد مسد المفاعيل . انتهى كلامه رحمه الله .
قال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري": إنما شدد الأمر - أمر الوعيد - في حق أبي جهل ولم يقع مثل ذلك لعقبة بن أبي معيط ، حيث طرح سَلَى الجزور على ظهره - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي - لأنهما وإن اشتركا في مطلق الأذية حال صلاته لكن زاد أبو جهل بالتهديد وبدعوة أهل طاعته
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1627)