فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 395

وفيه من الفقه: أنه لا حرج على إمام المسلمين وحاكمهم إذا اختصم إليه خصمان في حق وثبت الحق على أحدهما،إذا سأله الذى ثبت الحق عليه أن يسأل من ثبت ذلك له تأخير حقه أو وضعه عنه،وأن يشفع له في ذلك إليه،وذلك أن النبى - صلى الله عليه وسلم - شفع إلى بريرة وكلمها بعدما خيرها وأعلمها ما لها من الخيار،فقال: « لو راجعتيه » .

وفيه من الفقه: أن من سئل من الأمور ما هو غير واجب عليه فعله،فله رد سائله وترك قضاء حاجته،وإن كان الشفيع سلطانًا أو عالمًا أو شريفًا؛ لأن النبى،عليه السلام،لم ينكر على بريرة ردها إياه فيما شفع فيه،وليس أحد من الخلق أعلى رتبة من النبى،عليه السلام،فغيره من الخلق أحرى ألا يكون منكرًا رده فيما شفع فيه.

وفيه من الفقه: أن بغض الرجل للرجل المسلم على وجه كراهة قربه والدنو منه على غير وجه العداوة له،ولكن اختيار التبعد منه لسوء خلقه وخبث عشرته وثقل ظله،أو لغير ذلك مما يكره الناس بعضهم من بعض جائز،كالذى ذكر من بغضه امرأة ثابت بن قيس بن شماس له،مع مكانه من الدين والفضل لغير بأس،لكن لدمامة خلقه وقبحه حتى افتدت منه،وفرق بينهما النبى - صلى الله عليه وسلم - ،ولم ير أنها أتت مأثمًا ولا ركبت معصية بذلك بل عذرها وجعل لها مخرجًا من المقام معه وسبيلًا إلى فراقه والبعد منه،ولم يذمها على بغضها له على قبحه وشدة سواده،وإن كان ذلك جبلة وفطرة خلق عليها،فالذى يبغض على ما في القدرة تركه من قبيح الأحوال ومذموم العشرة أولى بالعذر وأبعد من الذم. [1]

الشَّفَاعَةُ قِسْمَانِ:شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ،وَشَفَاعَةٌ سَيِّئَةٌ .

الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ:

أ - الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ:وَهِيَ:أَنْ يَشْفَعَ الشَّفِيعُ لإِِزَالَةِ ضَرَرٍ أَوْ رَفْعِ مَظْلَمَةٍ عَنْ مَظْلُومٍ،أَوْ جَرِّ مَنْفَعَةٍ إِلَى مُسْتَحِقٍّ لَيْسَ فِي جَرِّهَا ضَرَرٌ وَلاَ ضِرَارٌ،فَهَذِهِ مَرْغُوبٌ فِيهَا مَأْمُورٌ بِهَا،قَال اللَّهُ تَعَالَى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2) سورة المائدة .

(1) - شرح ابن بطال - (13 / 434)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت