مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:أَنَّ الْجَاسُوسَ الْمُسْتَأْمَنَ يُقْتَل،وَقَال سَحْنُونٌ فِي الْمُسْلِمِ يَكْتُبُ لأَِهْل الْحَرْبِ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ:يُقْتَل وَلاَ يُسْتَتَابُ وَلاَ دِيَةَ لِوَرَثَتِهِ كَالْمُحَارِبِ.وَقِيل:يُجْلَدُ نَكَالًا وَيُطَال حَبْسُهُ وَيُنْفَى مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ،وَقِيل:يُقْتَل إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ،وَقِيل:إِلاَّ أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ.وَقِيل:يُقْتَل إِنْ كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ،وَإِنْ كَانَتْ فَلْتَةً ضُرِبَ وَنُكِّل [1] .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} (1) سورة الممتحنة مَا يَأْتِي:
مَنْ كَثُرَ تَطَلُّعُهُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُ عَدَدَهُمْ بِأَخْبَارِهِمْ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا بِذَلِكَ،إِذَا كَانَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وَاعْتِقَادُهُ عَلَى ذَلِكَ سَلِيمٌ،كَمَا فَعَل حَاطِبٌ حِينَ قَصَدَ بِذَلِكَ اتِّخَاذَ الْيَدِ وَلَمْ يَنْوِ الرِّدَّةَ عَنِ الدِّينِ.وَإِذَا قُلْنَا:لاَ يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا فَهَل يُقْتَل بِذَلِكَ حَدًّا أَمْ لاَ ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ،فَقَال مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ:يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ الإِْمَامُ.وَقَال عَبْدُ الْمَلِكِ:إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ قُتِل لأَِنَّهُ جَاسُوسٌ.وَقَدْ قَال مَالِكٌ:يُقْتَل الْجَاسُوسُ - وَهُوَ صَحِيحٌ - لإِِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ،وَلَعَل ابْنَ الْمَاجِشُونِ إِنَّمَا اتَّخَذَ التَّكْرَارَ فِي هَذَا لأَِنَّ حَاطِبًا أُخِذَ فِي أَوَّل فِعْلِهِ .
فَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ كَافِرًا،فَقَال الأَْوْزَاعِيُّ:يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ،وَقَال أَصْبَغُ:الْجَاسُوسُ الْحَرْبِيُّ يُقْتَل،وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُعَاقَبَانِ إِلاَّ إِنْ تَظَاهَرَا عَلَى الإِْسْلاَمِ فَيُقْتَلاَنِ،وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِعَيْنٍ لِلْمُشْرِكِينَ اسْمُهُ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَل،فَصَاحَ:يَا مَعْشَرَ الأَْنْصَارِ أُقْتَل وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَخَلَّى سَبِيلَهُ.ثُمَّ قَال:إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ أَكِلُهُ إِلَى إيمَانِهِ،مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ .
(1) - تبصرة الحكام 2 / 177 - 178 .