وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ:أَنَّ الْجَاسُوسَ الْمُسْلِمَ يُعَزَّرُ وَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ.وَإِنْ كَانَ ذَا هَيْئَةٍ ( أَيْ مَاضٍ كَرِيمٍ فِي خِدْمَةِ الإِْسْلاَمِ ) عُفِيَ عَنْهُ لِحَدِيثِ حَاطِبٍ،وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُ الذِّمِّيِّ بِالدَّلاَلَةِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ،وَلَوْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِ الأَْمَانِ ذَلِكَ فِي الأَْصَحِّ،وَفِي غَيْرِهِ يُنْتَقَضُ بِالشَّرْطِ . [1]
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:أَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَهْدُ أَهْل الذِّمَّةِ بِأَشْيَاءَ وَمِنْهَا:تَجَسَّسَ أَوْ آوَى جَاسُوسًا،لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. [2]
وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْجَاسُوسَ الْحَرْبِيَّ مُبَاحُ الدَّمِ يُقْتَل عَلَى أَيِّ حَالٍ عِنْدَ الْجَمِيعِ،أَمَّا الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ فَقَال أَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:إِنَّهُ يُقْتَل .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ أَقْوَالٌ أَصَحُّهَا أَنَّهُ لاَ يُنْتَقَضُ عَهْدُ الذِّمِّيِّ بِالدَّلاَلَةِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ،لأَِنَّهُ لاَ يُخِل بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ.وَأَمَّا الْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَلاَ يُقْتَل عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ،وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُقْتَل .
التَّجَسُّسُ عَلَى الْكُفَّارِ:
التَّجَسُّسُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ لِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَمَا مَعَهُمْ مِنْ سِلاَحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ،فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ،قَالَ:قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ:يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ،رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَحِبْتُمُوهُ ؟ قَالَ:نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي،قَالَ:فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالَ:وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ،قَالَ:وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ،وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا،قَالَ:فَقَالَ حُذَيْفَةُ:يَا ابْنَ أَخِي،وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْخَنْدَقِ،وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ اللَّيْلِ هَوِيًّا،ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ:مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ يَشْرُطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ يَرْجِعُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ،فَمَا قَامَ رَجُلٌ،ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ،ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ:مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرَ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ،ثُمَّ يَرْجِعُ يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّجْعَةَ،أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي
(1) - عمدة القاري 14 / 256 ط المنيرية ، وشرح المنهج بحاشية البجيرمي 4 / 281 ، القليوبي 4 / 226 ، والشرقاوي على التحرير 2 / 412 .
(2) - شرح منتهى الإرادات 2 / 138 - 139 .