وَلاَ تَجَسَّسُوا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ وَالسَّتْرُ،ثُمَّ قَال:نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ التَّجَسُّسِ،بَل أَمَرَ بِالسَّتْرِ عَلَى أَهْل الْمَعَاصِي مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ إِصْرَارٌ.فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ:هَلْ لَكَ فِى فُلاَنٍ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا؟ فَقَالَ:إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَتَجَسَّسَ فَإِنْ يُظْهِرْ لَنَا نَأْخُذْهُ. [1]
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ:أَنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْلَةً بِالْمَدِينَةِ فَبَيْنَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِى بَيْتٍ فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٍ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ وَلَغَطٌ فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهِ عَنْهُ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ:أَتَدْرِى بَيْتُ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ:لاَ. قَالَ:هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَهُمُ الآنَ شُرَّبٌ فَما تَرَى. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ (وَلاَ تَجَسَّسُوا) فَقَدْ تَجَسَّسْنَا فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُمْ. [2]
تَجَسُّسُ الْمُحْتَسِبِ:
الْمُحْتَسِبُ هُوَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ،وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ.قَال تَعَالَى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران،وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ مِنْ كُل مُسْلِمٍ لَكِنَّ الْمُحْتَسِبَ مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ وِلاَيَتِهِ،لَكِنَّ غَيْرَهُ فُرِضَ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيل الْكِفَايَةِ .
وَمَا لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَنْهَا وَلاَ أَنْ يَهْتِكَ الأَْسْتَارَ حَذَرًا مِنَ الاِسْتِتَارِ بِهَا،فعَنِ ابْنِ عُمَرَ:أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أَنْ رَجَمَ الأَسْلَمِىَّ قَالَ: « اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِى نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » [3] .
فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِتَارُ قَوْمٍ بِهَا لأَِمَارَاتٍ دَلَّتْ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (8 / 334) (18081) صحيح
(2) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (8 / 333) (18080) صحيح
(3) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (8 / 330) (18056) حسن لغيره ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى 279 - 281 ، والماوردي 252 ، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 407 ، والقرطبي 16 / 331 .